الأربعاء، أغسطس ١٩، ٢٠٠٩

التدرج في تطبيق الشريعة...

السؤال

فضيلة الشيخ يدور كلام كثير حول حكم التدرج في تطبيق الشريعة، فما هو الجواب في هذه المسألة؟!

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد:

قبل أن نبيـّن هذه المسألة الجليلة، ينبغي أن ننبّه إلى أنَّ من أعظم أسباب انتشار الخلاف، وإعقابه الفتن، هو خوض من هبّ ودبّ في مثل هذه المسائـل، حتـَّى تقطعـوا رأيهم بينهـم زُبـُراً، كلُّ حزب بما لديهم فرحون، ولو أخذوا بمفهومي الإجتهاد، والتقليد، الذين وضعهما علماؤنا لضبط الفتوى، فلا يخوض في هذه المسائل إلاَّ من شُهـد له بالعلم، واشتهر بذلك، وعـُرف شيوخـُه فيه، ثـمَّ المقلـد يصمـت، لقضي على أكثـر هذه الفتن.

 وفي صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنه: أنَّ عمر غضب لما سمع كلاما من عامة الناس في موسم الحج عن شأن البيعة، ‏فقال: (إني إن شاء الله لقائم العشيَّة في الناس، فمحذرهم، هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم، قال‏ ‏عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: ‏ ‏فقلت يا أمير المؤمنين لا تفعل فإنّ الموسم يجمع ‏رعاع ‏الناس ‏ ‏وغوغاءهم‏، ‏فإنهم هم الذين يغلبون على قربك، حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كلَّ ‏ ‏مطير‏، ‏وأن لا يعوها، وأن لايضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم ‏ ‏المدينة ‏، ‏فإنها دار الهجرة، والسنة، فتخلص بأهل الفقه، وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكنا، فيعي أهل العلم مقالتك، ويضعونها على مواضعها، فقال ‏ ‏عمر: ‏ ‏أمَّا والله، إن شاء الله، لأقومن بذلك أوَّل مقام أقومه ‏‏بالمدينة).

قال ابن حجر رحمه الله: (وفيه التنبيه على أنّ العلم لا يودع عند غير أهله , ولا يحدث به إلاّ من يعقله , ولايحدث القليل الفهم بما لا يحتمله).

والمصيبة اليوم أنَّ الذي يضع مقالات العلماء في غير مواضعها، ويطير بها كــلّ مطير، ليس الغوغاء، ورعاع الناس فحسب، بل أسفل منهم، وهـم الحثالة، ذوو الجهالة، والأسمـاء المختصرة، والألقـاب التي بغير شيء مفتخرة، وهم في علوم الشرع، أحـطّ منزلة من مجهول العين ـ فضلا عن مجهول الحال ـ أي: المبهمون، وإذا كان من شؤم مجهول الحال أنه يسقط به إسنادٌ مسلسلٌ بالأئمة الثقات إن جرى ذكره فـيه، فكيف بالمبهـم الذي لايُعـرف أنفـُـه من فيه؟!!

فهذه والله فتنة لكلِّ مفتون، وبدعةٌ عابثة عصرية من سخافات العقول، أبتُلـي بهـم من ابتُلي من ضعاف التفكيـر، حتـّى أخاضوه في التضليل والتكفيـر.

كما ننبـّه أنّ من خطورة هذه المسألة أنّ بعض الحكـّام يستغلّهـا للالتفاف على الشريعة.

ولهذا فيجب التفريق بين من ظاهـر حاله السعي للتغيـّير، وهو مع ذلك يقيم الإسلام على نفسه، ومن تحت يده، ويعلم من حاله ذلك، ظاهراً، وباطنـاً، فهو من أهل التديّن في الظاهـر، فيبدو عليه الصدق فيما ينويه من التغيير إلى الشريعة.

وبين من هو مخالف للشرع، بعيدٌ عنه، في أحواله الخاصة، والعامة، فهو يتلاعب بهذه المسألة تلاعب المنافقين بآيات ربّ العالمين، فهذا لايجوز أن يُجـارى في عبثه بالإسلام، ومن فعل ذلك فهو شريكه في الآثام.

وعلى أية حال فهذه المسألة التي سأل عنها السائل، وهي التدرج في تطبيق الشريعة، قـد تندرج تحت واحـدة من هذه القواعد الكبار:

أحدهما: سقوط التكليف بالعجـز.

والثانية: (فأتوا منه ما استطعتم).

والثالثة: ارتكاب أخف الضررين.

والرابعة: تقديم الأرجح عند التعارض بين المصالح والمفاسـد.

وإذا علم أنَّ تطبيق الشريعة في نظام الدولة ـ وليس على نفس الإنسان ومن تحت يده فحسب ـ قـد يعنـي ـ في بعض البلاد ـ تغيير واقع كبيـر مخالف للشريعة، كثيـر التفاصيل، في حياة معقَّدة، تطرأ فيها آلاف المسائل الجديدة، التي تحتاج إلى علماء، وقضاة، على دراية بما يقضـون فيه، فلا يقول أنـَّه يمكن فعل ذلك بغيـر تدريج مطلـقاً إلاَّ جاهـل لـم يتصوَّر المشروع أصـلا، وهـو لا يعرف ماذا يعني هذا العنـوان الكبيـر، وإنما أخذ عنوانـاً وطار فيه مطار الغوغـاء، والدهماء!

فإذا انضـمِّ إلى أنَّ المشروع في مثل هذه البيئـة، كونها بيئــةً ذات تحفــُّز دائم لحـرب عدوّ متربّص، وحصار خانـق منغِّـص، مع قلـّة الإمكانات، وضعف القدرات، فإنَّ من يظن تحريـم التدرّج مطلقـا، فهو من أجهـل الناس، ولا يقول هذا ـ أصـلاً ـ إلاَّ من لم يمارس الفتوى، ولا القضاء، ولا يعرف أعباءهما في الناس، وإنما قصـر نظره على مسائل محددة، وتعصّـب عليها.

وإذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (لاسيما في هذه الأزمنة المتأخرة التي غلب فيها خلط الأعمال الصالحة بالسيئة في جميع الأصناف، لنرجّح عند التزاحم، والتمانع خير الخيرين، وندفع عند الاجتماع شـر الشرِّين، ونقدم عند التلازم ـ تلازم الحسنات والسيئات ما ترجح منها ـ فإنّ غالب رؤوس المتأخرين، وغالب الأمة من الملوك، والأمراء، والمتكلمين، والعلماء، والعباد، وأهل الأموال يقع ـ غالبا ـ فيهم ذلك) الاستقامة (2/168)

إذا كان هذا في ذلك الزمان فكيف بنا نحن اليـوم؟! وقد انتشر الفساد، وعم البلاد، وصارت القوانين الوضعية، ربما تسري على كلِّ شيء صغيـرٍ وكبيـرٍ، في حياة الناس.

وكيف ليت شعري يُقـال يحــرم التدرّج مطلقــا، وأنـّه لايحـل لمن أوتي مقاليد السلطة إلاّ يجعـل الناس يستيقظون بين عشية، وضحاها، ليجدوا حياتهم كلّهــا صارت إلى الشريعة محتكمة، وبالهدى في جميع مناحي الحيـاة ملتزمـة؟!!

ولهذا فلابد أن يتناقض قائل هذا القول العجيـب في حالـه، وهو لايشعـر، ومن الطريف أنّ شخصاً جادلني مرة في هذه المسألة، فقلت له متى جئت من السفـر؟ قال البارحة، قلت بجواز دولتك، قال نعم، قلت بأية قوانين دوليـّة سمحوا لك بالدخول؟ ولماذا أبرزت الجواز وعليه شعار الدولة الحاكمة بغير الشريعة، طالبا ـ ضمنيـّا ـ العمل بتلك القوانين التي تقنن التنقل بين الدول، للسماح لك بعبور الحدود، فبهـت! وقلت له: أنت تسمع من مجاهيل يكتبون في (إنترنت)، وقّعـوا عقـداً ليسمح لهم بهذه الكتابة في موقـع، يخضع لقوانيـن وضعية، مع شركات تخضع لقوانين دول كافرة، وقد يكونون ـ مع ذلك ـ مقيمين فيها بعد توقيعهم على لجوء سياسي تحتكم قوانينه لتلك الدول، بما فيها من إقرار بجريانها على أنفسهم، وأهليهم، وكلُّ ذلك يعذرون أنفسهم فيه، ويتأوّلـون، ثم لايريدون أن يعذروا إخوانهـم في أيِّ تأويل تأوّلــوه، أليس هذا من التشاحّ النفسي الذين يحصل بين الجماعات بسبب نجاح بعضها على حساب الآخر ليس إلاّ؟!

وقلت له من يـظنُّ أنه لو قام حاكم يريد العمل بالشريعة، في ظـلّ بلاء الناس بكلِّ هذه القوانين الوضعيّة، والواقع المخالف للشـرع، لايحتاج إلى التدرج حتى يغيـِّر هذا كلَّه، ولو كان هذا التدرج في الإعلان أيضـا، حتى إنـّه قـد يضطرّ إلى القول بخلاف ما يضمره لمن يخشى غائلته، القول بخلاف ذلك من أجـل نجاح التغيير إلى الشرع، حتـّى يمُضـي من شريعة الله، ما يمكنه من غيـر أن يفسد عليه ما أراد، وله أن يفعل ذلك، وليس هذا من التنازل المذموم.

وليس هذا بأشدّ مما ذكـره ابن حجر في الإصابة في ترجمة الصحابي الجليل عبدالله بن حذافة السهمي لما أسرته الروم: (فقال ـ أي زعيم الروم ـ قبل رأسي وأنا أخلـّي عنك، فقال: وعن جميع أسارى المسلمين، قال نعم، فقبل رأسه، فخلّى بينهم، فقدم بهم على عمر، فقام عمر فقبل رأسه، وأخرج بن عساكر لهذه القصة شاهداً من حديث بن عباس موصولاً، وآخر من فوائد هشام بن عثمان من مرسل الزهري‏) ‏.

فهذا الصحابي الجليل ـ إنْ صحت الرواية ـ تأوَّل في تقبيل رأس الطاغوت الأكبر في ذلك الزمـان، مما ظاهره ـ والصحابة من ذلك براء ـ توقير الطاغوت، وتعظيمـه، لما رأى من أنه يجوز تحمّل هذه المفسدة، في سبيل تحصيل مصلحة راجحة عظيمة.

من يظـنُّ ذلك، فسبب أنه لم يعان هذا الأعباء العظيمة، أعني أعباء أمة بعيدة عن دينها، وشريعة ربها، ولا يتصور تفاصيلها، وإنما يجلس مع أمثاله يلقون بالأحكام بغير علم.

وقلت له لقد كان لطالبان سفيـرٌ في باكستان، والسفير لايقبل رسميا إلاّ وفق قوانين الدولة، بل كان لها سفير في بعض دول الخليج أيضا، وكانت تتدرج في تغيير بعض ما يخالف الشـرع، وتتلطـّف فيها، حتى تنجح في تغييره، حــذراً من أن تحصـل مفسدة راجحة،

فالواجب أن نعذر الذين نعرف عنهـم، أنهم يحملون مشروعا إسلاميا، ويتضح ذلك على أحوالهم، ويبدو جليـَّا من فكرهم، ومحاضنهم التي يربـُّون فيها أنصارهم، يجب أن نعذرهـم إن تأوّلوا في التدرج في تحويل المشروع الإسلامي إلى واقع حياتي، لاسيما مع كثرة أعباءهم، ومع كثرة الشرور في الناس، فكيف إذا انضمّ إلى ذلك كونهم محاربين، ومحاصرين؟!

ومن يسـوّي بين هؤلاء الإسلاميين، وبين العلمانيّين الذين يتبنـُّون الفكر العلماني في أحزابهم، ويربّون عليه كوادرهم، ويقيمون عليهم مشروعهم سـرَّا وعلانية، من يسوّي بينهم، فهـو متنكّب الهدى، حاكم بالجور، مثيـرٌ للفتن في بلاد الإسلام.

وقلت: لم يكن العلماء قـطّ يسوّون بين حملة الفكر الإسلامي الذين يتأولون في المشاركات السياسية، السعـي للتغير عبرهـا، وبين الأحزاب العلمانية، فيكفـِّرون الجميع، ويستحلـُّون دماءهم، ويدعون إلى قتالهم!!

فهذا الفكر الغالي، والشاذ جديد على الساحة الإسلامية، لاندري مـَن رؤوسه، ولايعرفون بعلم، ولا سابقة فيه، ولهذا لايهتدون لتناقضاتهم فيما يدّعون، فإذا قيل لبعضهم تكفرون هذه الجماعة الإسلامية لأنها تأولت في التدرّج في الشريعة، أو في المشاركة السياسية، قالوا لانكفـرّهم، ثم يعاملونهم معاملة الكفـّار، ويسمونهـم طواغيت!

ثـمَّ يلقـون بكلامهم هذا إلى الصغار، والجهـّال، المتعطشين للجهاد، ويصورن لهم إخوانهم في الحركات الأخرى كأنهم شياطين في جثمان إنس، ويدخل بينهم شياطين حقيقية تؤجج هذه النار، حتى تُذبـح الحركات الإسلامية ـ وبعضها جهادية كما في العراق ـ بسيوف ظاهرها إسلامية، وحقيقتها جهل بالإسلام، وظلم للأنام، تحركها من حيث لاتشعر دوائر الإجرام.

والله المستعان، وإنا لله وإنا إليه راجعون، ونسأل الله أن يكفَّ عاديتهم على الأمـة بلطفه.

ولنعد الآن إلى إيضاح مسألة التدرج في تطبيق الشريعـة:

أما اندراج التدرج في الشريعة فيما ذكرت من قواعد الفقه، فكما يلي:

أما سقوط التكليف بالعجز، فهذا واضح، فقد يعجز الحاكـم أن يغيـّر بعض الجوانب، لعدم وجود آلات التغييـر، فيسقط عنه، وإذا كان محاصراً ـ مثلا ـ ولا يمكن جلب القضاة الشرعيين بما يكفـي، فإنه يتدرَّج، فيبدأ بما يقدر عليه، ويؤجِّـل ما يعجـز عنه إلى القـدرة، وأما فعل ما يقدر عليه العبد من الوجوب، فكذلك قد يفعل بعض الواجب، ويتدرج حتى يُكمـل ما وجـب عليه فعله إذا قـدر، فهذا ما كُلـف به شرعا أصـلا، وهذا كلـُّه لا إشكال فيه، ولا يخلو عبـد من الحاجة إليه أصلا، وهو من تيسير الشريعة السمحة التي جاءت بـ (ما جعل عليكم في الدين من حرج).

وأما إرتكاب أخـفّ الضررين، فقـد تقـرّر فـي الشريعة، أنـَّه يجــوز فعل الضرر الأقـل، إذا كان الأكبـر لايندفـع إلاَّ بذلك، فلو كان الحاكم يعلم أنَّه لـو منـع التدرج، لأدَّى ذلك إلى مفسدة أعظم، هي سقوط المشروع برمِّتـه، وفشـله، فله أن يتـدرَّج دفعا لأعظم الضررين.

‏ويُستدل على قاعدة إرتكاب أخف الضررين، بما في صحيح البخاري: (جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس فنهاهم النبي ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فلمـَّا قضى بوله، ‏ ‏أمر النبيّ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏بذنوبمن ماء ‏ ‏فأهريق عليه).

قال ابن حجر رحمه الله: (بل أمرهم بالكف عنه للمصلحة الراجحة، وهو دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما. وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما).

فهذا النبيُّ صلى الله عليه وسلم أجّـل تغيير منكر هو من أعظم المنكر، وهو البول في مسجده الشريف عليه الصلاة والسلام، وفي حضرته عليه الصلاة والسلام، لما في عدم التأجيل من مفسدة أعظـم.

وهذا كما ذكر الذهبي عن ميمون بن مهران، سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: (لو أقمت فيكم خمسين عاما ما استكملت فيكم العدل، إني لأريد الأمر من أمر العامة، فأخاف ألا تحمله قلوبهم، فأخرج معه طمعا من طمع الدنيا، فإن أنكرت قلوبهم هذا، سكنت إلى هذا) تاريخ الذهبي 4/170

وفي البداية والنهاية (وإني لأريد الأمر، فما أنفذه إلا مع طمع من الدنيا، حتى تسكن قلوبهم) 9/200

وورد عنه أنه قال: (ما طاوعني الناس على ماأردت من الحق، حتى بسطت لهم من الدنيا شيئاً) حليـة الأولياء 5/290

وقال لإبنه أيضا: (إنّ قومك قد شدّوا وهذا الأمر عقدة عقدة، وعروة عروة، ومتى أريد مكابرتهم على انتزاعما في أيديهم، لم آمن أن يفتقوا على فتقاً تكثر فيه الدماء، والله لزوال الدنيا أهون علي، من أن يراق في سببي محجمة من دم، أو ما ترضي أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة، ويحيي فيه سنة، حتى يحكم الله بيننا، وبين قومنا بالحق وهو خيرالحاكمين)حلية الأولياء 5/282، وصفة الصفوة لابن الجوزي 2/128

ولا ريب أنّ إصلاح العوائد المخالفة للشرع، بالتدريج شيئاً فشيئاً، مع مفسدة بقاء المظالم بأيدي أصحابها حينـاً من الوقت، خير من ترك الإصلاح كلّه، أو الوقوع في فتنة يعقبها فساد كلّ شيء.

وأما العمل بالأرجح عند تعارض المصالح مع المفاسد، فقد يكون التعجل في التطبيق مفسدته راجحة على مصلحة التدرج، فيجب سلوك الأرجح.

كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وقولي عند عدم المعارض الراجح فإنه قــد لا يترك الحرام البيـِّن، أوالمشتبه، إلاَّ عند ترك ما هو حسنة موقعها في الشريعة، أعظم من تلك السيئة،مثل من يترك الائتمام بالإمام الفاسق فيترك الجمعة، والجماعة والحج، والغزو ـ يعني وحينئذ فلا يترك هذا الحرام بل يفعل ـ وكذلك قد لا يؤدّي الواجب البيـّن، أو المشتبه، إلاَّ بفعل سيئة أعظم إثمـا منتركه، مثل من لا يمكنه أداء الواجبات من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكرلذوي السلطان، إلاَّ بقتال فيـه من الفساد أعظم من فساد ظلمه) ويعني أنه لايفعل هذا الواجب بل يتـرك في هذه الحالة.

فإذا نظر الحاكـم إلى مآلات الأمور، وثمارها، وتبين له أنَّ المصلحة في التدرج أرجح من مفسدة التأجيل، جاز له فعل ما ترجحت مصلحته.

قال العلامة عبدالرحمن السعدي: (ومما يؤيد ذلك ما قاله غيرواحد من أهل العلم، منهم شيخ الإسلام بن تيمية وابن القيم أنه إذا أشكل عليك شيء، هل هو حلالٌ أم حرام، أو مأمور به أو منهي عنه؟ فانظر إلى أسبابه الموجبة، وآثاره، ونتائجه الحاصلة، فإذا كانت منافع، ومصالح، وخيرات، وثمراتها طيبة، كان من قسم المباح، أو المأمور به، وإذا كان بالعكس،كانت بعكس ذلك، طبق هذه المسألة على هذا الأصل، وأنظر أسبابها وثمراتها، تجدها أسبابا لا محذور فيها، وثمراتها خير الثمرات).

والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، وحسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى، ونعـم النصيــر.

_________________

المرجع: "سؤال بتاريخ 18/08/2009" فتوى على موقع الشيخ حامد بن عبد الله العلي - للشيخ حامد بن عبد الله العلي.

 

 

الثلاثاء، أغسطس ١١، ٢٠٠٩

رحابة الانتماء


رحابة الانتماء
الخميس 15 شعبان 1430 الموافق 06 أغسطس 2009


د. عبد الكريم بكار
مسألة العلاقة بين الذات والآخر من المسائل الشائكة التي لم تنل في أوساط الصحوة الإسلامية حقها من الدرس والتوضيح والتنظير، وحين تُدرس في بعض المناسبات فإن دراستها تميل إلى أن تكون ذات أبعاد محدودة؛ إذ إن الناس يفهمون من (الآخَر) الغربَ بوصفه المنافس والمناوئ التاريخي لأمة الإسلام، على حين أن الآخر هو كل ما عدا الذات، حتى الجمادات والنباتات هي على مستوًى ما من الآخر، وإذا تأملنا في طبيعة التركيب النفسي والعقلي للإنسان، فإننا سنجد أن لبني البشر مطالب متناقضة؛ فهم يخسرون بالانتماءات الضيقة، ويتشوقون إلى الانتماءات الرحبة والفسيحة، وكلما أحبوا أن يشعروا بالسمو بحثوا عن شيء أوسع يلتصقون به، ويبحثون فيه عن الامتدادات العميقة لذواتهم، ولعلي في هذا المقال، وما بعده: أتمكن من تسليط الضوء على هذه القضية المهمة عبر الحروف الصغيرة الآتية:
إن للإنسان فعلاً عدداً واسعاً من الانتماءات القهرية التي يجد نفسه منخرطاً فيها دون اختيار منه؛ فنحن أولاً من مخلوقات الله –تعالى- ونحن من جملة الموجودات في هذا الكون الفسيح، ونحن بعد ذلك من جنس الحيوان، وبذلك نغاير الجماد والنبات، ونغاير سائر الحيوان بالتفكير واللغة وأمور كثيرة، وفي الدائرة الإنسانية نجد أنفسنا أيضاً منخرطين في انتماءات فريدة! الأسرة، والعائلة، والقبيلة، والجنس، والقومية، والعرق... وقد تأسس الوعي الإنساني على النظر إلى هذا الطيف الواسع من الانتماءات القهرية على أنه أشبه بالدوائر المتسقة والمنفتح بعضها على بعض، وهذه نظرة صحيحة، وإن كان التعامل الراشد مع تلك الدوائر كثيرًا ما يكون منقوصاً أو مفقوداً، وكلنا نعرف الزوابع والإشكالات التي ثارت وتثور حول الانتماء إلى الأوطان والقومية والأديان، وكيفية التعامل معها على نحو مؤصَّل ومتوازن.
فلاحظ أن الخطاب القرآني ينزع إلى ترسيخ روح الانتماء الأرحب؛ إذ إنه لا يركز على محاورة الأشخاص باستثناء الأنبياء عليهم السلام.. والقبائل أو سكان منطقة بعينها والمتحدثين بلغة محددة.. وإنما يخاطب الناس جميعاً "يا أيها الناس" "يا أيها الإنسان.." أو من اتصفوا بصفات معينة لا تدل على أشخاص بأعيانهم: "يا أيها الذين آمنوا..." "يا أيها الذين كفروا..."، بل نلاحظ أن القرآن الكريم يُبقي في أحيان عدة على الانتماء القومي مع انتفاء الانتماء العقدي، أي يُبقي على الانتماء الهامشي مع زوال الانتماء الأساسي، وهذا واضح جداً في العديد من الآيات القرآنية، منها قوله –سبحانه-: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ) وقوله: (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ) وقوله: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ).
حيث أثبت أخوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وانتماءهم إلى أقوامهم مع أنهم كذبوهم، وكفروا بهم.
أنا أود أن ننظر إلى الانتماءات الأوسع على أنها بمثابة خزانات احتياطية لمدّ الناس بأسباب التفاهم حين يتم تدمير الانتماءات الضيقة، وأن ننظر إليها أيضاً على أنها في بعض الأحيان تشبه خطوط الدفاع الأولية عن الانتماءات الأضيق، أو هي هوامش نقف عليها، ونتخذ منها رأس جسر إلى تفاهمات جديدة، ومن ثم فإن علينا أن نشجع رحابة الانتماء والتفكير وسعة الأفق؛ لأن البديل عن ذلك قد يكون خطيراً للغاية، ومن الملاحظ أن المجرمين والمنحرفين انحرافاً شديداً يتجاوزون كل الانتماءات، وينتهكون كل ما يترتب عليها من حقوق، وما يرتبط بها من أدبيات، أما اللصوص والمرتشون الكبار فلا يراعون انتماءهم لا لدين ولا لوطن، بل إن بعضاً من مدمني المخدرات يتجاوزون انتماءهم إلى آبائهم وأمهاتهم؛ إذ يقومون بسرقة ما لديهم من أموال وحلي..
الشيء الذي أريد أن أصل إليه من وراء هذا الكلام هو أن تجرد الإنسان من انتماءاته الرحبة الواسعة، وانكفاءه على ذاته، وتأطير نفسه بانتماء ضيق على أسرة أو قبيلة أو مذهب أو جماعة أو حزب أو رؤية ضيقة لبعض المسائل الكبرى.. قد يجعل منه شخصاً خطيراً على نفسه وعلى غيره؛ لأن التجرد من الانتماءات الواسعة يدفع الإنسان في اتجاه الانتماء إلى نفسه ومصالحه الضيقة، وهذا يفتح أبواباً واسعة أمام التناحر الأهلي والاقتتال الداخلي، ولك أن تتأمل ما جرى في أفغانستان، وما يجري في الصومال ومناطق أخرى من العالم الإسلامي لترى على نحو واضح: كيف تم تدمير أوطان بأكملها، وكيف استسهل الناس الاستعانة بالأجنبي على إخوانهم في العقيدة والملة بسبب تدمير الفضاءات الإنسانية والأخلاقية والوطنية التي كان بإمكانها الحيلولة دون ما يحدث الآن، مما هو شبيه بالانتحار الجماعي لشعوب وقبائل ومدن وقرى، حيث يتم تدمير التراث والحاضر والمستقبل..

الثلاثاء، يوليو ٢١، ٢٠٠٩

مبدأ (إيصال أصحاب الحركة الإصلاحية إلى الكراسي)!

إن من معايير ترشيد الصحوة الإسلامية، أن لا تكون هذه الحركة سلبية محضة؛ تسرع إلى مجابهة الحكومات و الطاقات ذات القوى و الوسائل، و تحدث لها مشكلات و عراقيل في الخطوة الأولى، فتضيع بذلك كثيرا من طاقاتها و أوقاتها، و تنشئ لها أعداء، و تجاهد في غير جهاد و في غير عدو...

بل يجب أن تكون إيجابية أكثر منها سلبية...

و يجب أن تفضل العمل بمبدأ إيصال الإيمان إلى أصحاب الكراسي و حملهم راية الإسلام و تطبيق النظام الإسلامي بأنفسهم، على مبدأ إيصال أصحاب الإيمان و أعضاء حركة إصلاحية خاصة إلى الكراسي، و احتكار عمل تطبيق النظام الإسلامي و قلب أوضاع المجتمع؛ لأفراد جماعة خاصة و دعاة مخصوصين...

***

و هذا مثال رائع من تاريخ الإصلاح و التجديد في الإسلام:

حركة الشيخ أحمد بن عبد الأحد السرهندي:

هو أحمد بن عبد الأحد بن زين العابدين السرهندي يتصل نسبه إلى سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، ولد ليلة الجمعة 14 شوال 971هـ - 1563م بمدينة سرهند ببلاد الهند، وسماه والده «شيخ أحمد» نشأ الإمام السرهندي في بيئة متضاربة فكريا، متعارضة عقديا، مضطربة خلقيا، فقد ترعرع في عهد الإمبراطور جلال الدين محمد أكبر، من أباطرة آل تيمور المغوليين الذي انحرف عن الإسلام والذي سيطرت عليه فكرة حلول الألف الثاني من عمر الإسلام، وقد تأثر بدعوة بعض الفلاسفة المارقين عن الإسلام بقولهم إن عمر الإسلام الطبيعي ألف عام، أما وقد انقطعت، وبدأ الألف الثاني فإن الدنيا في حاجة إلى عهد جديد تتابع فيه مسيرتها، كما أنها في حاجة ماسة إلى دين جديد يمارس الناس من خلاله حياتهم الدينية، وتشريع جديد ينظم شئونهم ويدبر معاشهم، ويستغنون به عن الدين الذي سلف وذهابه بذهاب ألف سنة من عمره، واستحوذت فكرة الدين الجديد على نفس الملك أكبر، وشكل لجانًا لنشر الدين الجديد ونشرها في نواحي الهند، لقد كان ذلك الدين يحتوي على الشرك بكل أنواعه وأصنافه، فدخلت عبادة الشمس والكواكب بدلا من التوحيد الخالص، وأبدلت عقيدة البعث والنشور بعقيدة التناسخ، وأحل الدين الجديد الربا والقمار، والخمر والخنزير، وأباح الزنا وصدر قانون بتنظيمه، وحرم ذبح البقر، وحرم الحجاب.. إلخ.

وانتشرت النظريات الفلسفية التي كانت تؤمن بأن العقل وحده قادر على إدراك الحقائق الحاضرة منها، والغائبة، حتى استغنوا بالعقل عن الرسل والرسالات وكل ما يتعلق بهما.

وفي خضم هذه الاضطرابات وتلك الفوضى كان الإمام السرهندي قد قارب الثلاثين من عمره، وكان قد تسلح بالعلوم الدينية، وأصول أهل السنة وقد حباه الله -عز وجل- عقلاً راجحًا، وفكرًا ثاقبًا، وذوقًا مرهفًا، وقلبًا واعيًا، فاستعمل كل مواهبه لخدمة الإسلام والمسلمين ووقف متحديًا كل هذه الأفكار الضالة كاشفًا عورات هذه السخافات والبدع والخرافات، بل عمل حتى وصل إلى بلاط الملك أكبر في عهد ابنه وتغير الدين الباطل الذي كانت عليه الدولة إلى دين الإسلام الصحيح.

منهج الإمام السرهندي للوصول إلى مرحلة التمكين:

1- اهتم بتعليم وتربية مجموعات هائلة من أفراد الأمة وأعدهم إعدادا تربويا عمليا، دعويا رفيع المستوى ثم أرسلهم إلى القرى والمدن لدعوة الناس.

2- اهتم بنقد فكر الفلاسفة المنحرف، والصوفية الباطلة من أصحاب وحدة الوجود والحلول والاتحاد، وبين الطريق الصحيح لمعرفة الحق، والوصول اليقيني إلى معرفة الإله الواحد من خلال القرآن ومنهج أهل السنة والجماعة.

3- حارب كل أنواع الشرك ومن أقواله في ذلك: «إن تعظيم مظاهر الشرك وأعياد الجاهلية من أعظم أنواع الشرك بالله - عز وجل - وإن من يعتقد بصحة دينين، وصلاحيتهما في وقت واحد، فهو مشرك، وإن من يعمل بأحكام الإسلام وأعمال الكفر والشرك فهو مشرك، ولا يتم الإسلام إلا بالبراءة من الشرك ومحادته ومعاداته، وإن التوحيد هو الاشمئزاز والتبرم من كل شائبة من شوائب الشرك».

4- اهتم بالدعوة إلى التوحيد الخالص، وخلود رسالة محمد صلى الله عليه و سلم ودعم وحدة المسلمين وإعادتهم إلى حظيرة الإسلام، وكان سببا في حماية المسلمين في بلاد الهند من ردة محققة.

5- قاوم المد الشيعي الذي اخترق البلاط الملكي في عهد نور الدين جهانكير بن الملك أكبر ورفع راية أهل السنة جهارا نهارا، بل استطاع أن يصل إلى معسكر الملك وبلاطه بواسطة تلميذه بديع الدين السهارنبوري.

6- اهتم بالأمراء الذين ظهر منهم تدين، وفيهم شهامة وحب للخير، فهذا الأمير خان جهان وكان الملك جهانكير يحبه حبا جما، ويعتمد عليه في كثير من شئون الدولة كتب إليه السرهندي يحثه على نصرة دين الله فيقول له: «لو جمعتم بين ما تتبوأون من منصب كبير، وبين العمل على الشريعة الإسلامية، لأديتم أمانة الأنبياء - عليهم الصلوات والتسليمات- وأوضحتم الدين المتين وأضأتموه وعممتموه، ولو جهدنا - نحن الفقراء - أنفسنا أعوامًا طوالاً لما لحقنا بغبار أمثالكم من صقور الإسلام.

ألا نفوس أبيَّات لهم همم ... أما على الخير أنصار وأعوان

وكانت لرسائله أثر طيب في التأثير على القادة والأمراء والتفافهم حول القرآن والسنة.

7- استطاع الإمام السرهندي بعد جهاد مرير، وبلاء عظيم أن يصل إلى الملك نفسه وأصبح من حاشيته ولم يترك جلساء السوء ينفردون به بل عمل على دعوة قواد الجيش وحاشية الملك إلى الإسلام الصحيح، وتأثروا بالإمام السرهندي لما رأوا فيه من حسن الخلق وغزارة العلم، وإخلاص للدين، و زهد و ورع متين، وحكمة في الدعوة إلى الله، ولقد تعاون أولئك القادة مع الإمام السرهندي من أجل التمكين لدين الله وما هي إلا فترة وجيزة حتى أزيل دين الملك أكبر، الذي فرضه على الرعية، وأعيد للإسلام مكانته الرفيعة.

لقد تأثر الملك جهانكير بمبادئ الإمام السرهندي وأقواله، فاستبدل بالإلحاد الإيمان، وأحل الإسلام محل الزندقة، وجاهر بذلك على رءوس الملأ من قومه.

لقد أظهر الملك شعائر الإسلام ورفع أحكامه، وأعز أهله وبكى كثيرا على سابق تفريطه.

إن الإمام السرهندي مدرسة مهمة في فقه التمكين وله منهجية رائعة في أساليب الدعوة حققت نتائج عظيمة للمسلمين في الهند.

إن الاقتراب من رجال الدولة و الملوك و الأمراء من أجل دعوتهم إلى الإسلام و تمكين دينه قام به العلماء و الدعاة -من أمثال الإمام السرهندي- و حقق نتائج طيبة في نصرة دين الله.

 _________________

المرجع: "ترشيد الصحوة الإسلامية" من سلسلة بحوث إسلامية هامة 34 - للشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي.

المرجع: "فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم: أنواعه - شروطه - أسبابه - مراحله وأهدافه" - للشيخ الدكتور علي محمد الصلابي.

 

الأحد، مايو ١٧، ٢٠٠٩

جماعة الإخوان المسلمين

السؤال

جماعة الإخوان المسلمين، هل هي جماعة مخالفة لسـنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -؟ هل المنتمون إليها (شيوخاً وأتباعاً) من المبتدعة، كما يصفهم بعض الشباب المسلم، وبعض طلبة العلم أيضاً؟ هل ينبغي البراءة منهم، ومن منهجهم؟ هل هم من أهل السنة والجماعة؟ نرجوا تبيان ما لهم وما عليهم من منطلق شرعي عقدي، وبيان دورهم في حمل راية الدعوة إلى الله خلال العقود الماضية إن كان لهم دور...

الجواب

جماعة الإخوان، نشأت في مصر، على يد الشيخ الداعية حسن بن عبد الرحمن البنّا الساعاتي، ابن الشيخ المحدث صاحب الفتح الرباني، و ذلك سنة (1327هـ - 1928م). و انتشرت في أقاليم مصر بسرعة هائلة، و منها انتقلت إلى أصقاع العالم الإسلامي. و للشيخ حسن البنا مؤلفات تعبر - غالباً - عن اتجاه الجماعة، أهمها: (رسائل الإمام الشهيد حسن البنا)، و له أيضاً (مذكرات الدعوة و الداعية). و قد اغتيل الشيخ في ظروف غامضة سنة (1948م).

وتعرضت الجماعة لمحنٍ قاسية، و زُج بالآلاف من قياداتها و أفرادها، في غياهب السجون، و سِيق العديد منهم إلى مقاصل الإعدام، سنة (1956م)، ثم سنة (1965م)...

و قد تأثر بها كثير من العلماء، و الدعاة في مصر، و غيرها، و كان للجماعة جهود مشكورة في تربية الشباب، و حمايتهم من لوثات التغريب و الفتنة، و إحياء هموم الأمة، و مواجهة الاستعمار البريطاني لمصر، ثم مواجهة اليهود في فلسطين.

و يأخذ البعض على الجماعة:

1- عدم انضباطية منهجها العقدي و الفكري. و الشيخ حسن البنا -رحمه الله- و إن كان ألف كتابا ًسماه: (العقائد)، و فيه خير كثير، إلا أنه لم يحرر بعض المسائل تحريرا ًجيداً، على طريقة أهل السنة، و في الجملة يمكن القول: بأن الجماعة تيار حركي فاعل أكثر منها مدرسة فكرية محددة الملامح مضبوطة المعالم. و لا يمكن الحكم على أفرادها بأنهم مبتدعة، إلا من عُرف عنه أنه يقولُ ببدعة، و ينتحلها. و مصادرة إنجازات الناس ومكاسبهم -بسبب خطأ يقعون فيه- ليست من الأدب، و من الذي يستطيع في هذه المرحلة التي نعيشها التنكر لجهاد منظمة حماس، أو غيرها!؟

2- و قد شاركت بعض كوادر الإخوان في المشهد السياسي، كما في: الأردن، و الكويت، و اليمن، و تركيا، و هذه مسألة اجتهاد قال بها جمع من العلماء المعاصرين؛ كالشيخ رشيد رضا، و الشيخ ابن باز، و الشيخ ابن عثيمين، و الشيخ عبد الكريم زيدان، و جمع غير قليل من الفقهاء المعاصرين، و خالف آخرون و منعوا، و هذه ليست من مفاصل المسائل و قطعياتها التي لا تحتمل المخالفة.

و أتمنى على الإخوان -وفقهم الله لكل خير-:

1- أن يقرروا كتاباً سهلا ً، مختصراً في العقائد على عموم الأتباع؛ و ليكن مما كتبه بعض فضلائهم، ككتب العقيدة للشيخ عمر الأشقر -حفظه الله-، أو كتاب (الإيمان) للشيخ محمد نعيم ياسين-رحمه الله-، أو كتاب (العقيدة) للشيخ عبد الله عزام -رحمه الله-.

2- و أن يكون هناك عناية شديدة، بحماية الأفراد من التعصب الحزبي، الذي يكاد أن يكون من لوازم الانتماء للجماعات إلا ما رحم ربي، و الذي حلّ محل التعصب المذهبي، وأصبح عائقاً جدياً أمام وحدة العاملين للإسلام.وأن يعتبروا الفرح بالنقد الهادف البناء - من النصحاء المشفقين- من علامات النضج، فيكون هناك متخصصون في مراجعة المسيرة، و تصحيح الأخطاء، و استدراك الزلات، و سماع وجهات النظر، من داخل الجماعة و خارجها؛ فقد يستطيع من هو خارج الصورة أن يرى ما لا يراه من كان في ضمنها، و رحم الله امرءاً أهدى إلينا عيوبنا. و كما أن الجماعة هي أولى الجماعات الإسلامية من حيث الوجود التاريخي، و أوسعها من الناحية الجغرافية، فكذلك: ينبغي أن تكون سباقةً في مراجعة المناهج و المواقف و الاجتهادات، و إحياء المنهج النبوي في هذا الشأن.

 _________________

المرجع: "سؤال رقم4839  بعنوان جماعة الإخوان" فتوى على موقع الإسلام اليوم - للشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة.

 

الخميس، مايو ١٤، ٢٠٠٩

هل كل ما تسأل عنه تعمل به؟

كل علم شرعي فطلب الشارع له إنما يكون من حيث هو وسيلة إلى التعبد به لله تعالى، لا من جهة أخرى، فإن ظهر فيه اعتبار جهة أخرى؛ فبالتبع والقصد الثاني، لا بالقصد الأول، والدليل على ذلك أمور:

أحدها: أن كل علم لا يُفيد عملا؛ فليس في الشرع ما يدلُّ على استحسانه، و لو كان له غاية أخرى شرعية؛ لكان مستحسنا شرعا، و لو كان مستحسنا شرعا؛ لبحث عنه الأولون من الصحابة و التابعين، و ذلك غير موجود، فما يلزم عنه كذلك.

والثاني: أن الشرع إنما جاء بالتعبُّد، و هو المقصود من بعثة الأنبياء -عليهم السلام-...

كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ} [النساء: 1].

{الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} [هود: 1-2].

{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم: 1].

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].

وما أشبه ذلك من الآيات التي لا تكاد تُحصى، كلها دال على أن المقصود التعبد لله، وإنما أُتوا بأدلة التوحيد ليتوجهوا إلى المعبود بحق وحده، سبحانه لا شريك له...

ولذلك قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} [محمد: 19].

وقال: {فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [هود: 14].

وقال: {هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [غافر: 65].

ومثله سائر المواضع التي نص فيها على كلمة التوحيد، لا بد أن أُعقبت بطلب التعبد لله وحده، أو جُعل مقدمة لها، بل أدلة التوحيد هكذا جرى مساق القرآن فيها: ألا تُذكر إلا كذلك؛ وهو واضح في أن التعبد لله هو المقصود من العلم، والآيات في هذا المعنى لا تُحصى.

والثالث: ما جاء من الأدلة الدالة على أن روح العلم هو العمل، وإلا؛ فالعلم عارية وغير منتفع به...

فقد قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28].

وقال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ...} إلى أن قال: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} الآية [الزمر: 9].

وقال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ} [البقرة: 44].

وعن أسامة بن زيد -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "يجاء بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاهُ؛ فيجتمع أهل النار عليه؛ فيقولون: أي فلان! ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه" (البخاري ومسلم).

وعن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتى يُسأل عن خمس خِصال"، وذكر فيها: "وعن علمه، ماذا عمل فيه؟" (الترمذي و غيره، و هو صحيح).

وحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الثلاثة الذين هم أول من تُسعَّر بهم النار يوم القيامة، قال فيه: "ورجل تعلم العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن، فأُتي به فعرَّفه نِعَمه فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال: تعلَّمت فيك العلم وعلَّمته، وقرأتُ القرآن. قال: كذبت، ولكن ليقال: فلان قارئ؛ فقد قيل، ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار" (مسلم والترمذي والنسائي).

وكان -عليه السلام- يستعيذ من علم لا ينفع (مسلم و الترمذي والنسائي).

وقال معاذ بن جبل-رضي الله عنه-: "اعلموا ما شئتم أن تعلموا؛ فلن يأجُركم الله بعلمه حتى تعملوا" (أخرجه ابن المبارك ومن طريقه أبو داود، وأبو نعيم وابن عبد البر والدارمي وأحمد بإسناد رجاله ثقات إلى معاذ موقوفا، وفيه انقطاع، يزيد بن جابر لم يدرك معاذا).

وعن أبي الدرداء-رضي الله عنه-: "إنما أخاف أن يُقال لي يوم القيامة: أَعَلِمْتَ أم جَهِلْتَ؟ فأقول: علمت. فلا تبقى آية من كتاب الله آمرة أو زاجرة إلا جاءتني تسألني فريضتها، فتسألني الآمرة: هل ائتمرت؟ والزاجرة: هل ازدجرت؟ فأعوذ بالله من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يُسمع" (أحمد و غيره، و هو صحيح).

وكان رجل يسأل أبا الدرداء-رضي الله عنه- فقال له: كل ما تسأل عنه تعمل به؟ قال: لا. قال: فما تصنع بازدياد حُجَّة الله عليك؟ (ذكره ابن عبد البر).

وذكر مالك أنه بلغه عن القاسم بن محمد قال: "أدركت الناس وما يعجبهم القول، إنما يعجبهم العمل" (أخرجه ابن عبد البر عن ابن وهب؛ قال: "قال لي مالك: أدركت أهل هذه البلاد، وإنهم ليكرهون هذا الإكثار الذي في الناس اليوم". قال ابن وهب: "يريد المسائل"، قال: "وقال مالك: إنما كان الناس يفتون بما سمعوا وعلموا، ولم يكن هذا الكلام في الناس اليوم")...

وقال سفيان الثوري: "إنما يُتعلَّم العلم ليُتَّقى به الله، وإنما فُضِّل العلم على غيره؛ لأنه يُتقى الله به" (أخرجه ابن عبد البر وأبو نعيم والبيهقي و غيرهم بإسناد حسن).

والأدلة على هذا المعنى أكثر من أن تُحصى، وكل ذلك يُحقق أن العلم وسيلة من الوسائل، ليس مقصودا لنفسه من حيث النظر الشرعي، وإنما هو وسيلة إلى العمل، وكل ما ورد في فضل العلم؛ فإنما هو ثابت للعلم من جهة ما هو مكلف بالعمل به.

__________________

المرجع: "الموافقات" - للإمام إبراهيم بن موسى الشاطبي (ت: 790هـ( تحقيق الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان. (باختصار يسير).

الجمعة، مايو ٠٨، ٢٠٠٩

المفاهيم العقدية و تطبيق مقتضياتها في أرض الواقع...

الحمد لله الواحد القهار، والصلاة والسلام على النبي المختار، وعلى آله وصحبه الأخيار.

أما بعد:

فلقد أظهرت أحداث غزة المؤمنة، غزة الصابرة، كثيراً من المعاني والمفاهيم العقدية التي تكلم عنها العلماء قديماً وحديثاً، فكانت ابتلاءً وامتحاناً للمسلمين وتمحيصاً لهم: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت:11]، فأظهر الله حقائق الإيمان وأثرها على أرض الواقع وهذا مما يزيد المؤمن يقيناً ويزيد أهل هذه المعاني ثباتاً على دينهم وجهادهم.

فما حصل في غزة ليس شراً محضاً بل فيه خيرٌ كثير يعرفه من نوَّر الله بصيرته بالإيمان، قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُون﴾ [البقرة:216]

ومن تابع الأحداثَ، ومجرياتِ الأمور، وشاهدَ ما حصل لأهل غزة، وما تبع ذلك من تصريحاتٍ، وبياناتٍ، وفتاوى، ومظاهراتٍ، ظهر له جلياً الفرقُ بين دراسة مسائل الإيمان والعقيدة نظرياً في المساجد والفصول الدراسية، وبين تطبيق مقتضياتها في ميادين الجهاد وعلى أرض الواقع، حيث تُمحَّص القَناعات، ويظهر أثرُ اليقين على النفوس، ويثبِّتُ الله من أراد به خيراً من أهل الصدق وحسن التوكل عليه، ويوفقه للعمل بمقتضيات الإيمان والتقوى، و أسُّ هذا الأمر: المعتقد الصحيح الذي من تمسَّك به علماً واستدلالاً كان أقرب للتحقق به عملاً، فجمع الله لأهل الثغر بين الفضيلتين، ومن هذه المعاني التي تجلت بوضوح سواءً لأهالي غزة أو لغيرهم من المؤمنين الصادقين والتي دلت على ثباتهم ورسوخ عقيدتهم: الإيمانُ بالقضاء والقدر، وصدقُ اللجوء إلى الله عز وجل والتوكلُ عليه، ومعاني الأخوة الإيمانية، وحُسْنُ الظن بالله، واليقينُ بموعودِ الله ونصره، وفي المقابل: هناك قوم سقطوا في الفتنة وخدشوا توحيدهم أو نقضوا إيمانهم بمظاهرة الكافرين على المسلمين وإخلالهم بعقيدة الولاء والبراء وسوء ظنهم بالله تعالى.

ومن هنا كان لابد من إيضاح هذه المعاني لأن أحداث غزة باتت امتحاناً عملياً اجتازه من وفقه الله وسقط فيه من لم يرد الله به خيراً ﴿ألا في الفتنة سقطوا﴾ [التوبة:49]

أمّا الإيمانُ بقضاءِ الله وقدرِه: فهو ركنٌ من أركان الإيمان، كما في الحديث الصحيح: (وأن تؤمن بالقدر خيره وشره) فلا يستقيم إيمانُ العبد إلا به، وقد تجلَّى هذا واضحاً في أحداث غزة، حيث شاهد كثيرٌ من الناس على الشاشات الإعلامية مرات عديدة من فقدوا جميع أهليهم وذويهم أو أكثرهم والطائرات فوق رؤوسهم وهم يرددون: الحمد لله، الحمد لله على قدر الله. ومنهم من يقول: نحسبهم شهداء عند الله، وغيرها من العبارات الإيمانية، فلله درُّهم!. أمَّا المجاهدون فقد ضربوا أروع المثل بإيمانهم بقضاء الله وقدره، صبرٌ بلا جزع، ورضىً بلا هلع، ونحن بدورنا علينا أن نؤمن بأن ما يصيب أهل غزة اليوم من قتلٍ وتدميرٍ وجرحٍ وألمٍ وجوعٍ هو قضاء الله في عباده المؤمنين، ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة:51) ، وأن تكالب الأعداء من اليهود والنصارى والمنافقين على إخواننا المسلمين في غزة وحصارهم وقتلهم إنما هو من قدر الله، وقدر الله نافذ وهو موافق لحكمته ولا يكون قدر الله إلا خيراً. ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد:4]

وأمَّا صدق اللجوء إلى الله والتوكل عليه: فمن فوائد هذه الأحداث انقطاع حبل التوكّل بين المجاهدين في غزة وبين الخلق أجمعين، فالله لا يرضى أن يصرف عبدُه قلبَه إلى غيره، وقد رأينا هذا وسمعناه مراراً في تصريحاتِ عددٍ من مسؤوليهم وقادتهم، ونحسبهم –والله حسيبهم- من الصادقين والمتوكلين على ربهم وقد أخذوا بكافة الأسباب الممكنة عسكرياً وسياسياً، ثم فوضوا أمرهم إلى الله ولم يركنوا لسواه مع علمهم بأن كبرى دول العالم ضدَّهم، يخوفونهم ويهددونهم، والله تعالى يقول في كتابه ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ، وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر:36)، وبهذا يكونون قد ضربوا للعالم أروع معاني التوكل على الله، وقد فطن لهذا المعنى كثيرٌ من علماء المسلمين ودعاتهم الذين سعوا لتثبيت إخوانهم في بياناتهم وخطاباتهم عندما أكَّدوا على هذا المعنى ونصحوا إخوانهم في غزة بأن لا يلجأوا إلا إلى الله، ولا يؤمِّلوا خيراً في مجلس الأمن، ولا الأمم المتحدة، ولا منظمات حقوق الإنسان ولا يستجدوا فلاناً أوفلاناً، فكلُّ هؤلاء لا يُغنون عنهم من الله شيئاً، فالتوكُّلُ يكون عليه وحده دون سواه، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى في سورة (التوبة): ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾: (يذكر تعالى للمؤمنين فضله عليهم وإحسانه لديهم في نصره إياهم في مواطن كثيرة من غزواتهم مع رسوله وأن ذلك من عنده تعالى، وبتأييده وتقديره، لا بِعَددهم ولا بِعُددهم، ونبههم على أن النصر من عنده، سواء قل الجمع أو كثر، فإن يوم حنين أعجبتهم كثرتهم ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئاً فولّوا مدبرين إلا القليل منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أنزل الله نصره وتأييده على رسوله وعلى المؤمنين الذين معه ... ليعلمهم أن النصر من عنده تعالى وحده، وبإمداده، وإن قلّ الجمع، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين)أ.هـ، وفي انقطاع ما بينهم وبين الخلق كما هو حالهم الآن ما يفضي إلى مزيدِ تعلُّقٍ بالله عز وجل، مع يأسهم مما في أيدي الناس وهو مُؤْذِنٌ إن شاء الله بعاجل نصر الله.

وفي المقابل: كان هذا الأمر امتحاناً وفتنة سقط فيها كثيرٌ من الزعماء والعلمانيين والإعلاميين، كما أوجدت خَدْشاً في بعض البيانات والخطابات والتحركات التي كان من ضمنها مناشدة هذه المنظمات بوضع حدٍّ للحرب وكأنه خافٍ عليهم قول الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:120]

أمَّا الأخوة الإيمانية والولاء للمؤمنين: فقد ظهرت أسمى معانيها في أحداث غزة ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:71]، فما أن اندلعت الحرب حتى هُرِعَ المسلمون من جميع أقطار المعمورة - عرباً وعجماً- يجأرون إلى الله تعالى بالدعاء في صلاتهم إحياءً لسنة قنوت النازلة، ثم تتابعت البيانات والفتاوى التي تدعو لنصرة إخواننا في غزة، وخرج كثيرٌ من الناس بشتى أجناسهم وأعمارهم وطبقاتهم إلى الشوارع يطالبون بإيقاف الحرب، بل طالب كثيرٌ منهم بفتح باب الجهاد ليجاهدوا في سبيل الله معهم، لكن حيل بينهم وبين ذلك! فلله الأمر من قبلُ ومن بعد، كما أنه ما أن أعلنت بعضُ الجهات المختصة بجمع التبرعات لمنكوبي غزة حتى قام كثيرٌ من الناس رجالاً ونساءً بالإنفاق في سبيل الله، وكلُّ ذلك دليلٌ على الأخوةِ الإيمانية وولائهم للمؤمنين.

وفي المقابل: سقط آخرون وأصبحوا يتحدثون عن أخطاء حماس وأنها سبب كل ما يحدث، بل إن أحدهم كتب في إحدى الصحف العربية: اضربيهم إسرائيل ولا تبقي منهم أحداً!! فأين هذا من الأخوة الإيمانية؟!

ومما يؤسف له أن بعض أهل العلم والفضل لا تجد لهم أثراً رغم كل هذه الأحداث العصيبة، وكأن الأمر لا يعنيهم! وهم من أفقه الناس –نظرياً- بحديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في (صحيح البخاري) مرفوعاً: (وذِمَّة المسلمين واحدة ، يسعى بها أدناهم)

وأمَّا عقيدة البراء من الكافرين وعدم مظاهرتهم على المسلمين: فهذه أصبحت من النظريات، ولا علاقة لها بالواقع مع أن الله عزَّ وجلَّ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:51] وقد عدَّ علماءُ الإسلام مظاهرة المشركين على المسلمين من نواقض الإسلام.

ألا فليحذر كلُّ من أعان اليهود أو النصارى أو غيرهم من الكفار على قتال المسلمين من مقت الجبَّار وغضبه وعقابه.

وأما حسن الظن بالله: فينبغي للمسلم أن لا يسيء الظن بالله تعالى فمن ظنَّ أنَّ الله ينصر اليهود أو النصارى أو غيرهم من الكفار على المسلمين نصراً دائماً، أو أن الحق سيظل مغلوباً من قبل الباطل، أو أن ما يجري لا حكمة فيه، أو أنه يحصل عبثاً، فقد أساء الظنَّ بالله ، والله تعالى يقول محذراً من سوء الظن به ﴿يظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران:154] فهذه الأمور المؤلمة التي نراها إنما تحدث لحكمة يعلمها الله، فَالله تعالى مَا قدَّرها سُدًى، ولا أنشأها عبثاً، ولا خلقها باطلاً، فهذا من حسن الظن بالله تعالى.

أما اليقين بموعود الله ونصره: فهذا من مقتضيات الإيمان بالله والتصديق برسوله صلى الله عليه وسلم فقد جاء عن أبى هريرة رضي الله عنه أَنَّ رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: (لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِىُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِىٌّ خَلْفِى فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ. إِلاَّ الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ) فمن مقتضيات الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم تصديق هذا الوعد بأن نهاية اليهود على أيدي المسلمين، فابشروا أيها المسلمون، وأمِّلوا، وأحسنوا الظنَّ بربكم، فالنصر آت، وانصروا الله ينصركم ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:40]

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

__________________

المرجع: "المفاهيم العقدية في أحداث غزة بين الثبات والضياع" مقال على موقع الدرر السنية - للشيخ علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف.