السبت، سبتمبر ٢٦، ٢٠٠٩

القاعدة الذهبية: بيانٌ بات ضروريًا!

(و كنّا في حياتنا نبتغي عندَ الوفاقِ و الخلافِ (و إلى هذا دعوت جميع العاملين في شأن "الدعوة إلى الوحدة الإسلامية") التمسك و الرجوعَ إلى الجملةِ -القاعدة- الذهبية التي وُجِدَ أصلُها عندَ شيخِ الإسلامِ ابن تيميةَ (ت 728هـ) في كتابِ "رفعِ الملام"، و في كلامِ تلميذهِ العلامة ابن قيِّم الجوزية (ت 751هـ) في كتاب "إعلامِ الموقعين"، و تبعه فيها السيد محمد رشيد رضا، و شيخنا محمد بهجت البيطار، و نسبت إلى أستاذنا الإمام حسن البنا (ت 1368هـ)، و وجدتُ العددَ الكبيرَ من مشايخي قد أخذ بها، و هي:

"نتعاونُ فيما اتفقنا عليه، و يَعذُرُ (و ينصَحُ) بعضُنا بعضاً فيما اختلفْنا فيه"...) اهـ.

_________________

المرجع: "السلفية: حركة قائمة في وجه الإلحاد، و الشرك، و الضلال، و الطغيان" ورقة لحفل معهد الدراسات الإسلامية للمعارف الحكمية (بيروت 13 ذو القعدة 1424 / 5 يناير 2004) - للشيخ زهير الشاويش. (بتصرف يسير).

___________________________________________________

(نقل في المقال المذكور عن الشيخ حسن البنا رحمه الله ما نصه (نجتمع فيما اتفقنا عليه و يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه).

و الجواب أن يقال:

نعم يجب أن نتعاون فيما اتفقنا عليه من نصر الحق و الدعوة إليه و التحذير مما نهى الله عنه و رسوله...

أما عُذر بعضنا لبعض فيما اختلفنا فيه فليس على إطلاقه بل هو محل تفصيل:

فما كان من مسائل الاجتهاد التي يخفى دليلها فالواجب عدم الإنكار فيها من بعضنا على بعض...

أما ما خالف النص من الكتاب و السنة فالواجب الإنكار على من خالف النص بالحكمة و الموعظة الحسنة و الجدال بالتي هي أحسن عملاً بقوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)، و قوله سبحانه: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)، و قوله عز وجل: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) و قوله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، و قوله صلى الله عليه وسلم: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) أخرجهما مسلم في صحيحه. و الآيات و الأحاديث في هذا كثيرة) اهـ.

_________________

المرجع: "مجموع فتاوى و مقالات متنوعة" (3/58)" فتوى للشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز.

___________________________________________________

السؤال:

ما رأيكم فيمن يقول: نجتمع فيما اتفقنا فيه و يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه؟

الجواب:

(أما نجتمع فيما اتفقنا فيه فهذا حق.

و أما يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه فهذا فيه تفصيل:

فما كان الاجتهاد فيه سائغاً فإنه يعذر بعضنا بعضاً فيه، و لكن لا يجوز أن تختلف القلوب من أجل هذا الخلاف.

و أما إن كان الاجتهاد غير سائغ فإننا لا نعذر من خالف فيه و يجب عليه أن يخضع للحق فأول العبارة صحيح و أما آخرها فيحتاج إلى تفصيل) اهـ.

_________________

المرجع: "الصحوة الإسلامية: ضوابط و توجيهات" - الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين.

___________________________________________________

(هم أول من يخالف هذه الفقرة!! و نحن لا نشك بأن شطراً من هذه الكلمة صواب، و هو "نتعاون على ما اتفقنا عليه".

الجملة الأولى هي طبعاً مقتبسة من قوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى).

أما الجملة الأخرى: "يعذر بعضنا بعضاً"؛ لا بد من تقييدها.. متى؟

حينما نتناصح، و نقول لمن أخطأ: أخطأت، و الدليل كذا و كذا، فإذا رأيناه ما اقتنع، و رأيناه مخلصاً، فندعه و شأنه، فنتعاون معه فيما اتفقنا عليه.

أما إذا رأيناه عاند و استكبر و ولى مدبراً، فحينئذٍ؛ لا تصح هذه العبارة و لا يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه) اهـ.

_________________

المرجع: "لقاء الألباني مع "مجلة الفرقان" الكويتية (العدد77) (ص22)" - الشيخ محمد ناصر الدين الألباني.

الأربعاء، أغسطس ١٩، ٢٠٠٩

التدرج في تطبيق الشريعة...

السؤال

فضيلة الشيخ يدور كلام كثير حول حكم التدرج في تطبيق الشريعة، فما هو الجواب في هذه المسألة؟!

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد:

قبل أن نبيـّن هذه المسألة الجليلة، ينبغي أن ننبّه إلى أنَّ من أعظم أسباب انتشار الخلاف، وإعقابه الفتن، هو خوض من هبّ ودبّ في مثل هذه المسائـل، حتـَّى تقطعـوا رأيهم بينهـم زُبـُراً، كلُّ حزب بما لديهم فرحون، ولو أخذوا بمفهومي الإجتهاد، والتقليد، الذين وضعهما علماؤنا لضبط الفتوى، فلا يخوض في هذه المسائل إلاَّ من شُهـد له بالعلم، واشتهر بذلك، وعـُرف شيوخـُه فيه، ثـمَّ المقلـد يصمـت، لقضي على أكثـر هذه الفتن.

 وفي صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنه: أنَّ عمر غضب لما سمع كلاما من عامة الناس في موسم الحج عن شأن البيعة، ‏فقال: (إني إن شاء الله لقائم العشيَّة في الناس، فمحذرهم، هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم، قال‏ ‏عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: ‏ ‏فقلت يا أمير المؤمنين لا تفعل فإنّ الموسم يجمع ‏رعاع ‏الناس ‏ ‏وغوغاءهم‏، ‏فإنهم هم الذين يغلبون على قربك، حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كلَّ ‏ ‏مطير‏، ‏وأن لا يعوها، وأن لايضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم ‏ ‏المدينة ‏، ‏فإنها دار الهجرة، والسنة، فتخلص بأهل الفقه، وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكنا، فيعي أهل العلم مقالتك، ويضعونها على مواضعها، فقال ‏ ‏عمر: ‏ ‏أمَّا والله، إن شاء الله، لأقومن بذلك أوَّل مقام أقومه ‏‏بالمدينة).

قال ابن حجر رحمه الله: (وفيه التنبيه على أنّ العلم لا يودع عند غير أهله , ولا يحدث به إلاّ من يعقله , ولايحدث القليل الفهم بما لا يحتمله).

والمصيبة اليوم أنَّ الذي يضع مقالات العلماء في غير مواضعها، ويطير بها كــلّ مطير، ليس الغوغاء، ورعاع الناس فحسب، بل أسفل منهم، وهـم الحثالة، ذوو الجهالة، والأسمـاء المختصرة، والألقـاب التي بغير شيء مفتخرة، وهم في علوم الشرع، أحـطّ منزلة من مجهول العين ـ فضلا عن مجهول الحال ـ أي: المبهمون، وإذا كان من شؤم مجهول الحال أنه يسقط به إسنادٌ مسلسلٌ بالأئمة الثقات إن جرى ذكره فـيه، فكيف بالمبهـم الذي لايُعـرف أنفـُـه من فيه؟!!

فهذه والله فتنة لكلِّ مفتون، وبدعةٌ عابثة عصرية من سخافات العقول، أبتُلـي بهـم من ابتُلي من ضعاف التفكيـر، حتـّى أخاضوه في التضليل والتكفيـر.

كما ننبـّه أنّ من خطورة هذه المسألة أنّ بعض الحكـّام يستغلّهـا للالتفاف على الشريعة.

ولهذا فيجب التفريق بين من ظاهـر حاله السعي للتغيـّير، وهو مع ذلك يقيم الإسلام على نفسه، ومن تحت يده، ويعلم من حاله ذلك، ظاهراً، وباطنـاً، فهو من أهل التديّن في الظاهـر، فيبدو عليه الصدق فيما ينويه من التغيير إلى الشريعة.

وبين من هو مخالف للشرع، بعيدٌ عنه، في أحواله الخاصة، والعامة، فهو يتلاعب بهذه المسألة تلاعب المنافقين بآيات ربّ العالمين، فهذا لايجوز أن يُجـارى في عبثه بالإسلام، ومن فعل ذلك فهو شريكه في الآثام.

وعلى أية حال فهذه المسألة التي سأل عنها السائل، وهي التدرج في تطبيق الشريعة، قـد تندرج تحت واحـدة من هذه القواعد الكبار:

أحدهما: سقوط التكليف بالعجـز.

والثانية: (فأتوا منه ما استطعتم).

والثالثة: ارتكاب أخف الضررين.

والرابعة: تقديم الأرجح عند التعارض بين المصالح والمفاسـد.

وإذا علم أنَّ تطبيق الشريعة في نظام الدولة ـ وليس على نفس الإنسان ومن تحت يده فحسب ـ قـد يعنـي ـ في بعض البلاد ـ تغيير واقع كبيـر مخالف للشريعة، كثيـر التفاصيل، في حياة معقَّدة، تطرأ فيها آلاف المسائل الجديدة، التي تحتاج إلى علماء، وقضاة، على دراية بما يقضـون فيه، فلا يقول أنـَّه يمكن فعل ذلك بغيـر تدريج مطلـقاً إلاَّ جاهـل لـم يتصوَّر المشروع أصـلا، وهـو لا يعرف ماذا يعني هذا العنـوان الكبيـر، وإنما أخذ عنوانـاً وطار فيه مطار الغوغـاء، والدهماء!

فإذا انضـمِّ إلى أنَّ المشروع في مثل هذه البيئـة، كونها بيئــةً ذات تحفــُّز دائم لحـرب عدوّ متربّص، وحصار خانـق منغِّـص، مع قلـّة الإمكانات، وضعف القدرات، فإنَّ من يظن تحريـم التدرّج مطلقـا، فهو من أجهـل الناس، ولا يقول هذا ـ أصـلاً ـ إلاَّ من لم يمارس الفتوى، ولا القضاء، ولا يعرف أعباءهما في الناس، وإنما قصـر نظره على مسائل محددة، وتعصّـب عليها.

وإذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (لاسيما في هذه الأزمنة المتأخرة التي غلب فيها خلط الأعمال الصالحة بالسيئة في جميع الأصناف، لنرجّح عند التزاحم، والتمانع خير الخيرين، وندفع عند الاجتماع شـر الشرِّين، ونقدم عند التلازم ـ تلازم الحسنات والسيئات ما ترجح منها ـ فإنّ غالب رؤوس المتأخرين، وغالب الأمة من الملوك، والأمراء، والمتكلمين، والعلماء، والعباد، وأهل الأموال يقع ـ غالبا ـ فيهم ذلك) الاستقامة (2/168)

إذا كان هذا في ذلك الزمان فكيف بنا نحن اليـوم؟! وقد انتشر الفساد، وعم البلاد، وصارت القوانين الوضعية، ربما تسري على كلِّ شيء صغيـرٍ وكبيـرٍ، في حياة الناس.

وكيف ليت شعري يُقـال يحــرم التدرّج مطلقــا، وأنـّه لايحـل لمن أوتي مقاليد السلطة إلاّ يجعـل الناس يستيقظون بين عشية، وضحاها، ليجدوا حياتهم كلّهــا صارت إلى الشريعة محتكمة، وبالهدى في جميع مناحي الحيـاة ملتزمـة؟!!

ولهذا فلابد أن يتناقض قائل هذا القول العجيـب في حالـه، وهو لايشعـر، ومن الطريف أنّ شخصاً جادلني مرة في هذه المسألة، فقلت له متى جئت من السفـر؟ قال البارحة، قلت بجواز دولتك، قال نعم، قلت بأية قوانين دوليـّة سمحوا لك بالدخول؟ ولماذا أبرزت الجواز وعليه شعار الدولة الحاكمة بغير الشريعة، طالبا ـ ضمنيـّا ـ العمل بتلك القوانين التي تقنن التنقل بين الدول، للسماح لك بعبور الحدود، فبهـت! وقلت له: أنت تسمع من مجاهيل يكتبون في (إنترنت)، وقّعـوا عقـداً ليسمح لهم بهذه الكتابة في موقـع، يخضع لقوانيـن وضعية، مع شركات تخضع لقوانين دول كافرة، وقد يكونون ـ مع ذلك ـ مقيمين فيها بعد توقيعهم على لجوء سياسي تحتكم قوانينه لتلك الدول، بما فيها من إقرار بجريانها على أنفسهم، وأهليهم، وكلُّ ذلك يعذرون أنفسهم فيه، ويتأوّلـون، ثم لايريدون أن يعذروا إخوانهـم في أيِّ تأويل تأوّلــوه، أليس هذا من التشاحّ النفسي الذين يحصل بين الجماعات بسبب نجاح بعضها على حساب الآخر ليس إلاّ؟!

وقلت له من يـظنُّ أنه لو قام حاكم يريد العمل بالشريعة، في ظـلّ بلاء الناس بكلِّ هذه القوانين الوضعيّة، والواقع المخالف للشـرع، لايحتاج إلى التدرج حتى يغيـِّر هذا كلَّه، ولو كان هذا التدرج في الإعلان أيضـا، حتى إنـّه قـد يضطرّ إلى القول بخلاف ما يضمره لمن يخشى غائلته، القول بخلاف ذلك من أجـل نجاح التغيير إلى الشرع، حتـّى يمُضـي من شريعة الله، ما يمكنه من غيـر أن يفسد عليه ما أراد، وله أن يفعل ذلك، وليس هذا من التنازل المذموم.

وليس هذا بأشدّ مما ذكـره ابن حجر في الإصابة في ترجمة الصحابي الجليل عبدالله بن حذافة السهمي لما أسرته الروم: (فقال ـ أي زعيم الروم ـ قبل رأسي وأنا أخلـّي عنك، فقال: وعن جميع أسارى المسلمين، قال نعم، فقبل رأسه، فخلّى بينهم، فقدم بهم على عمر، فقام عمر فقبل رأسه، وأخرج بن عساكر لهذه القصة شاهداً من حديث بن عباس موصولاً، وآخر من فوائد هشام بن عثمان من مرسل الزهري‏) ‏.

فهذا الصحابي الجليل ـ إنْ صحت الرواية ـ تأوَّل في تقبيل رأس الطاغوت الأكبر في ذلك الزمـان، مما ظاهره ـ والصحابة من ذلك براء ـ توقير الطاغوت، وتعظيمـه، لما رأى من أنه يجوز تحمّل هذه المفسدة، في سبيل تحصيل مصلحة راجحة عظيمة.

من يظـنُّ ذلك، فسبب أنه لم يعان هذا الأعباء العظيمة، أعني أعباء أمة بعيدة عن دينها، وشريعة ربها، ولا يتصور تفاصيلها، وإنما يجلس مع أمثاله يلقون بالأحكام بغير علم.

وقلت له لقد كان لطالبان سفيـرٌ في باكستان، والسفير لايقبل رسميا إلاّ وفق قوانين الدولة، بل كان لها سفير في بعض دول الخليج أيضا، وكانت تتدرج في تغيير بعض ما يخالف الشـرع، وتتلطـّف فيها، حتى تنجح في تغييره، حــذراً من أن تحصـل مفسدة راجحة،

فالواجب أن نعذر الذين نعرف عنهـم، أنهم يحملون مشروعا إسلاميا، ويتضح ذلك على أحوالهم، ويبدو جليـَّا من فكرهم، ومحاضنهم التي يربـُّون فيها أنصارهم، يجب أن نعذرهـم إن تأوّلوا في التدرج في تحويل المشروع الإسلامي إلى واقع حياتي، لاسيما مع كثرة أعباءهم، ومع كثرة الشرور في الناس، فكيف إذا انضمّ إلى ذلك كونهم محاربين، ومحاصرين؟!

ومن يسـوّي بين هؤلاء الإسلاميين، وبين العلمانيّين الذين يتبنـُّون الفكر العلماني في أحزابهم، ويربّون عليه كوادرهم، ويقيمون عليهم مشروعهم سـرَّا وعلانية، من يسوّي بينهم، فهـو متنكّب الهدى، حاكم بالجور، مثيـرٌ للفتن في بلاد الإسلام.

وقلت: لم يكن العلماء قـطّ يسوّون بين حملة الفكر الإسلامي الذين يتأولون في المشاركات السياسية، السعـي للتغير عبرهـا، وبين الأحزاب العلمانية، فيكفـِّرون الجميع، ويستحلـُّون دماءهم، ويدعون إلى قتالهم!!

فهذا الفكر الغالي، والشاذ جديد على الساحة الإسلامية، لاندري مـَن رؤوسه، ولايعرفون بعلم، ولا سابقة فيه، ولهذا لايهتدون لتناقضاتهم فيما يدّعون، فإذا قيل لبعضهم تكفرون هذه الجماعة الإسلامية لأنها تأولت في التدرّج في الشريعة، أو في المشاركة السياسية، قالوا لانكفـرّهم، ثم يعاملونهم معاملة الكفـّار، ويسمونهـم طواغيت!

ثـمَّ يلقـون بكلامهم هذا إلى الصغار، والجهـّال، المتعطشين للجهاد، ويصورن لهم إخوانهم في الحركات الأخرى كأنهم شياطين في جثمان إنس، ويدخل بينهم شياطين حقيقية تؤجج هذه النار، حتى تُذبـح الحركات الإسلامية ـ وبعضها جهادية كما في العراق ـ بسيوف ظاهرها إسلامية، وحقيقتها جهل بالإسلام، وظلم للأنام، تحركها من حيث لاتشعر دوائر الإجرام.

والله المستعان، وإنا لله وإنا إليه راجعون، ونسأل الله أن يكفَّ عاديتهم على الأمـة بلطفه.

ولنعد الآن إلى إيضاح مسألة التدرج في تطبيق الشريعـة:

أما اندراج التدرج في الشريعة فيما ذكرت من قواعد الفقه، فكما يلي:

أما سقوط التكليف بالعجز، فهذا واضح، فقد يعجز الحاكـم أن يغيـّر بعض الجوانب، لعدم وجود آلات التغييـر، فيسقط عنه، وإذا كان محاصراً ـ مثلا ـ ولا يمكن جلب القضاة الشرعيين بما يكفـي، فإنه يتدرَّج، فيبدأ بما يقدر عليه، ويؤجِّـل ما يعجـز عنه إلى القـدرة، وأما فعل ما يقدر عليه العبد من الوجوب، فكذلك قد يفعل بعض الواجب، ويتدرج حتى يُكمـل ما وجـب عليه فعله إذا قـدر، فهذا ما كُلـف به شرعا أصـلا، وهذا كلـُّه لا إشكال فيه، ولا يخلو عبـد من الحاجة إليه أصلا، وهو من تيسير الشريعة السمحة التي جاءت بـ (ما جعل عليكم في الدين من حرج).

وأما إرتكاب أخـفّ الضررين، فقـد تقـرّر فـي الشريعة، أنـَّه يجــوز فعل الضرر الأقـل، إذا كان الأكبـر لايندفـع إلاَّ بذلك، فلو كان الحاكم يعلم أنَّه لـو منـع التدرج، لأدَّى ذلك إلى مفسدة أعظم، هي سقوط المشروع برمِّتـه، وفشـله، فله أن يتـدرَّج دفعا لأعظم الضررين.

‏ويُستدل على قاعدة إرتكاب أخف الضررين، بما في صحيح البخاري: (جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس فنهاهم النبي ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فلمـَّا قضى بوله، ‏ ‏أمر النبيّ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏بذنوبمن ماء ‏ ‏فأهريق عليه).

قال ابن حجر رحمه الله: (بل أمرهم بالكف عنه للمصلحة الراجحة، وهو دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما. وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما).

فهذا النبيُّ صلى الله عليه وسلم أجّـل تغيير منكر هو من أعظم المنكر، وهو البول في مسجده الشريف عليه الصلاة والسلام، وفي حضرته عليه الصلاة والسلام، لما في عدم التأجيل من مفسدة أعظـم.

وهذا كما ذكر الذهبي عن ميمون بن مهران، سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: (لو أقمت فيكم خمسين عاما ما استكملت فيكم العدل، إني لأريد الأمر من أمر العامة، فأخاف ألا تحمله قلوبهم، فأخرج معه طمعا من طمع الدنيا، فإن أنكرت قلوبهم هذا، سكنت إلى هذا) تاريخ الذهبي 4/170

وفي البداية والنهاية (وإني لأريد الأمر، فما أنفذه إلا مع طمع من الدنيا، حتى تسكن قلوبهم) 9/200

وورد عنه أنه قال: (ما طاوعني الناس على ماأردت من الحق، حتى بسطت لهم من الدنيا شيئاً) حليـة الأولياء 5/290

وقال لإبنه أيضا: (إنّ قومك قد شدّوا وهذا الأمر عقدة عقدة، وعروة عروة، ومتى أريد مكابرتهم على انتزاعما في أيديهم، لم آمن أن يفتقوا على فتقاً تكثر فيه الدماء، والله لزوال الدنيا أهون علي، من أن يراق في سببي محجمة من دم، أو ما ترضي أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة، ويحيي فيه سنة، حتى يحكم الله بيننا، وبين قومنا بالحق وهو خيرالحاكمين)حلية الأولياء 5/282، وصفة الصفوة لابن الجوزي 2/128

ولا ريب أنّ إصلاح العوائد المخالفة للشرع، بالتدريج شيئاً فشيئاً، مع مفسدة بقاء المظالم بأيدي أصحابها حينـاً من الوقت، خير من ترك الإصلاح كلّه، أو الوقوع في فتنة يعقبها فساد كلّ شيء.

وأما العمل بالأرجح عند تعارض المصالح مع المفاسد، فقد يكون التعجل في التطبيق مفسدته راجحة على مصلحة التدرج، فيجب سلوك الأرجح.

كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وقولي عند عدم المعارض الراجح فإنه قــد لا يترك الحرام البيـِّن، أوالمشتبه، إلاَّ عند ترك ما هو حسنة موقعها في الشريعة، أعظم من تلك السيئة،مثل من يترك الائتمام بالإمام الفاسق فيترك الجمعة، والجماعة والحج، والغزو ـ يعني وحينئذ فلا يترك هذا الحرام بل يفعل ـ وكذلك قد لا يؤدّي الواجب البيـّن، أو المشتبه، إلاَّ بفعل سيئة أعظم إثمـا منتركه، مثل من لا يمكنه أداء الواجبات من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكرلذوي السلطان، إلاَّ بقتال فيـه من الفساد أعظم من فساد ظلمه) ويعني أنه لايفعل هذا الواجب بل يتـرك في هذه الحالة.

فإذا نظر الحاكـم إلى مآلات الأمور، وثمارها، وتبين له أنَّ المصلحة في التدرج أرجح من مفسدة التأجيل، جاز له فعل ما ترجحت مصلحته.

قال العلامة عبدالرحمن السعدي: (ومما يؤيد ذلك ما قاله غيرواحد من أهل العلم، منهم شيخ الإسلام بن تيمية وابن القيم أنه إذا أشكل عليك شيء، هل هو حلالٌ أم حرام، أو مأمور به أو منهي عنه؟ فانظر إلى أسبابه الموجبة، وآثاره، ونتائجه الحاصلة، فإذا كانت منافع، ومصالح، وخيرات، وثمراتها طيبة، كان من قسم المباح، أو المأمور به، وإذا كان بالعكس،كانت بعكس ذلك، طبق هذه المسألة على هذا الأصل، وأنظر أسبابها وثمراتها، تجدها أسبابا لا محذور فيها، وثمراتها خير الثمرات).

والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، وحسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى، ونعـم النصيــر.

_________________

المرجع: "سؤال بتاريخ 18/08/2009" فتوى على موقع الشيخ حامد بن عبد الله العلي - للشيخ حامد بن عبد الله العلي.

 

 

الثلاثاء، أغسطس ١١، ٢٠٠٩

رحابة الانتماء


رحابة الانتماء
الخميس 15 شعبان 1430 الموافق 06 أغسطس 2009


د. عبد الكريم بكار
مسألة العلاقة بين الذات والآخر من المسائل الشائكة التي لم تنل في أوساط الصحوة الإسلامية حقها من الدرس والتوضيح والتنظير، وحين تُدرس في بعض المناسبات فإن دراستها تميل إلى أن تكون ذات أبعاد محدودة؛ إذ إن الناس يفهمون من (الآخَر) الغربَ بوصفه المنافس والمناوئ التاريخي لأمة الإسلام، على حين أن الآخر هو كل ما عدا الذات، حتى الجمادات والنباتات هي على مستوًى ما من الآخر، وإذا تأملنا في طبيعة التركيب النفسي والعقلي للإنسان، فإننا سنجد أن لبني البشر مطالب متناقضة؛ فهم يخسرون بالانتماءات الضيقة، ويتشوقون إلى الانتماءات الرحبة والفسيحة، وكلما أحبوا أن يشعروا بالسمو بحثوا عن شيء أوسع يلتصقون به، ويبحثون فيه عن الامتدادات العميقة لذواتهم، ولعلي في هذا المقال، وما بعده: أتمكن من تسليط الضوء على هذه القضية المهمة عبر الحروف الصغيرة الآتية:
إن للإنسان فعلاً عدداً واسعاً من الانتماءات القهرية التي يجد نفسه منخرطاً فيها دون اختيار منه؛ فنحن أولاً من مخلوقات الله –تعالى- ونحن من جملة الموجودات في هذا الكون الفسيح، ونحن بعد ذلك من جنس الحيوان، وبذلك نغاير الجماد والنبات، ونغاير سائر الحيوان بالتفكير واللغة وأمور كثيرة، وفي الدائرة الإنسانية نجد أنفسنا أيضاً منخرطين في انتماءات فريدة! الأسرة، والعائلة، والقبيلة، والجنس، والقومية، والعرق... وقد تأسس الوعي الإنساني على النظر إلى هذا الطيف الواسع من الانتماءات القهرية على أنه أشبه بالدوائر المتسقة والمنفتح بعضها على بعض، وهذه نظرة صحيحة، وإن كان التعامل الراشد مع تلك الدوائر كثيرًا ما يكون منقوصاً أو مفقوداً، وكلنا نعرف الزوابع والإشكالات التي ثارت وتثور حول الانتماء إلى الأوطان والقومية والأديان، وكيفية التعامل معها على نحو مؤصَّل ومتوازن.
فلاحظ أن الخطاب القرآني ينزع إلى ترسيخ روح الانتماء الأرحب؛ إذ إنه لا يركز على محاورة الأشخاص باستثناء الأنبياء عليهم السلام.. والقبائل أو سكان منطقة بعينها والمتحدثين بلغة محددة.. وإنما يخاطب الناس جميعاً "يا أيها الناس" "يا أيها الإنسان.." أو من اتصفوا بصفات معينة لا تدل على أشخاص بأعيانهم: "يا أيها الذين آمنوا..." "يا أيها الذين كفروا..."، بل نلاحظ أن القرآن الكريم يُبقي في أحيان عدة على الانتماء القومي مع انتفاء الانتماء العقدي، أي يُبقي على الانتماء الهامشي مع زوال الانتماء الأساسي، وهذا واضح جداً في العديد من الآيات القرآنية، منها قوله –سبحانه-: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ) وقوله: (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ) وقوله: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ).
حيث أثبت أخوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وانتماءهم إلى أقوامهم مع أنهم كذبوهم، وكفروا بهم.
أنا أود أن ننظر إلى الانتماءات الأوسع على أنها بمثابة خزانات احتياطية لمدّ الناس بأسباب التفاهم حين يتم تدمير الانتماءات الضيقة، وأن ننظر إليها أيضاً على أنها في بعض الأحيان تشبه خطوط الدفاع الأولية عن الانتماءات الأضيق، أو هي هوامش نقف عليها، ونتخذ منها رأس جسر إلى تفاهمات جديدة، ومن ثم فإن علينا أن نشجع رحابة الانتماء والتفكير وسعة الأفق؛ لأن البديل عن ذلك قد يكون خطيراً للغاية، ومن الملاحظ أن المجرمين والمنحرفين انحرافاً شديداً يتجاوزون كل الانتماءات، وينتهكون كل ما يترتب عليها من حقوق، وما يرتبط بها من أدبيات، أما اللصوص والمرتشون الكبار فلا يراعون انتماءهم لا لدين ولا لوطن، بل إن بعضاً من مدمني المخدرات يتجاوزون انتماءهم إلى آبائهم وأمهاتهم؛ إذ يقومون بسرقة ما لديهم من أموال وحلي..
الشيء الذي أريد أن أصل إليه من وراء هذا الكلام هو أن تجرد الإنسان من انتماءاته الرحبة الواسعة، وانكفاءه على ذاته، وتأطير نفسه بانتماء ضيق على أسرة أو قبيلة أو مذهب أو جماعة أو حزب أو رؤية ضيقة لبعض المسائل الكبرى.. قد يجعل منه شخصاً خطيراً على نفسه وعلى غيره؛ لأن التجرد من الانتماءات الواسعة يدفع الإنسان في اتجاه الانتماء إلى نفسه ومصالحه الضيقة، وهذا يفتح أبواباً واسعة أمام التناحر الأهلي والاقتتال الداخلي، ولك أن تتأمل ما جرى في أفغانستان، وما يجري في الصومال ومناطق أخرى من العالم الإسلامي لترى على نحو واضح: كيف تم تدمير أوطان بأكملها، وكيف استسهل الناس الاستعانة بالأجنبي على إخوانهم في العقيدة والملة بسبب تدمير الفضاءات الإنسانية والأخلاقية والوطنية التي كان بإمكانها الحيلولة دون ما يحدث الآن، مما هو شبيه بالانتحار الجماعي لشعوب وقبائل ومدن وقرى، حيث يتم تدمير التراث والحاضر والمستقبل..

الثلاثاء، يوليو ٢١، ٢٠٠٩

مبدأ (إيصال أصحاب الحركة الإصلاحية إلى الكراسي)!

إن من معايير ترشيد الصحوة الإسلامية، أن لا تكون هذه الحركة سلبية محضة؛ تسرع إلى مجابهة الحكومات و الطاقات ذات القوى و الوسائل، و تحدث لها مشكلات و عراقيل في الخطوة الأولى، فتضيع بذلك كثيرا من طاقاتها و أوقاتها، و تنشئ لها أعداء، و تجاهد في غير جهاد و في غير عدو...

بل يجب أن تكون إيجابية أكثر منها سلبية...

و يجب أن تفضل العمل بمبدأ إيصال الإيمان إلى أصحاب الكراسي و حملهم راية الإسلام و تطبيق النظام الإسلامي بأنفسهم، على مبدأ إيصال أصحاب الإيمان و أعضاء حركة إصلاحية خاصة إلى الكراسي، و احتكار عمل تطبيق النظام الإسلامي و قلب أوضاع المجتمع؛ لأفراد جماعة خاصة و دعاة مخصوصين...

***

و هذا مثال رائع من تاريخ الإصلاح و التجديد في الإسلام:

حركة الشيخ أحمد بن عبد الأحد السرهندي:

هو أحمد بن عبد الأحد بن زين العابدين السرهندي يتصل نسبه إلى سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، ولد ليلة الجمعة 14 شوال 971هـ - 1563م بمدينة سرهند ببلاد الهند، وسماه والده «شيخ أحمد» نشأ الإمام السرهندي في بيئة متضاربة فكريا، متعارضة عقديا، مضطربة خلقيا، فقد ترعرع في عهد الإمبراطور جلال الدين محمد أكبر، من أباطرة آل تيمور المغوليين الذي انحرف عن الإسلام والذي سيطرت عليه فكرة حلول الألف الثاني من عمر الإسلام، وقد تأثر بدعوة بعض الفلاسفة المارقين عن الإسلام بقولهم إن عمر الإسلام الطبيعي ألف عام، أما وقد انقطعت، وبدأ الألف الثاني فإن الدنيا في حاجة إلى عهد جديد تتابع فيه مسيرتها، كما أنها في حاجة ماسة إلى دين جديد يمارس الناس من خلاله حياتهم الدينية، وتشريع جديد ينظم شئونهم ويدبر معاشهم، ويستغنون به عن الدين الذي سلف وذهابه بذهاب ألف سنة من عمره، واستحوذت فكرة الدين الجديد على نفس الملك أكبر، وشكل لجانًا لنشر الدين الجديد ونشرها في نواحي الهند، لقد كان ذلك الدين يحتوي على الشرك بكل أنواعه وأصنافه، فدخلت عبادة الشمس والكواكب بدلا من التوحيد الخالص، وأبدلت عقيدة البعث والنشور بعقيدة التناسخ، وأحل الدين الجديد الربا والقمار، والخمر والخنزير، وأباح الزنا وصدر قانون بتنظيمه، وحرم ذبح البقر، وحرم الحجاب.. إلخ.

وانتشرت النظريات الفلسفية التي كانت تؤمن بأن العقل وحده قادر على إدراك الحقائق الحاضرة منها، والغائبة، حتى استغنوا بالعقل عن الرسل والرسالات وكل ما يتعلق بهما.

وفي خضم هذه الاضطرابات وتلك الفوضى كان الإمام السرهندي قد قارب الثلاثين من عمره، وكان قد تسلح بالعلوم الدينية، وأصول أهل السنة وقد حباه الله -عز وجل- عقلاً راجحًا، وفكرًا ثاقبًا، وذوقًا مرهفًا، وقلبًا واعيًا، فاستعمل كل مواهبه لخدمة الإسلام والمسلمين ووقف متحديًا كل هذه الأفكار الضالة كاشفًا عورات هذه السخافات والبدع والخرافات، بل عمل حتى وصل إلى بلاط الملك أكبر في عهد ابنه وتغير الدين الباطل الذي كانت عليه الدولة إلى دين الإسلام الصحيح.

منهج الإمام السرهندي للوصول إلى مرحلة التمكين:

1- اهتم بتعليم وتربية مجموعات هائلة من أفراد الأمة وأعدهم إعدادا تربويا عمليا، دعويا رفيع المستوى ثم أرسلهم إلى القرى والمدن لدعوة الناس.

2- اهتم بنقد فكر الفلاسفة المنحرف، والصوفية الباطلة من أصحاب وحدة الوجود والحلول والاتحاد، وبين الطريق الصحيح لمعرفة الحق، والوصول اليقيني إلى معرفة الإله الواحد من خلال القرآن ومنهج أهل السنة والجماعة.

3- حارب كل أنواع الشرك ومن أقواله في ذلك: «إن تعظيم مظاهر الشرك وأعياد الجاهلية من أعظم أنواع الشرك بالله - عز وجل - وإن من يعتقد بصحة دينين، وصلاحيتهما في وقت واحد، فهو مشرك، وإن من يعمل بأحكام الإسلام وأعمال الكفر والشرك فهو مشرك، ولا يتم الإسلام إلا بالبراءة من الشرك ومحادته ومعاداته، وإن التوحيد هو الاشمئزاز والتبرم من كل شائبة من شوائب الشرك».

4- اهتم بالدعوة إلى التوحيد الخالص، وخلود رسالة محمد صلى الله عليه و سلم ودعم وحدة المسلمين وإعادتهم إلى حظيرة الإسلام، وكان سببا في حماية المسلمين في بلاد الهند من ردة محققة.

5- قاوم المد الشيعي الذي اخترق البلاط الملكي في عهد نور الدين جهانكير بن الملك أكبر ورفع راية أهل السنة جهارا نهارا، بل استطاع أن يصل إلى معسكر الملك وبلاطه بواسطة تلميذه بديع الدين السهارنبوري.

6- اهتم بالأمراء الذين ظهر منهم تدين، وفيهم شهامة وحب للخير، فهذا الأمير خان جهان وكان الملك جهانكير يحبه حبا جما، ويعتمد عليه في كثير من شئون الدولة كتب إليه السرهندي يحثه على نصرة دين الله فيقول له: «لو جمعتم بين ما تتبوأون من منصب كبير، وبين العمل على الشريعة الإسلامية، لأديتم أمانة الأنبياء - عليهم الصلوات والتسليمات- وأوضحتم الدين المتين وأضأتموه وعممتموه، ولو جهدنا - نحن الفقراء - أنفسنا أعوامًا طوالاً لما لحقنا بغبار أمثالكم من صقور الإسلام.

ألا نفوس أبيَّات لهم همم ... أما على الخير أنصار وأعوان

وكانت لرسائله أثر طيب في التأثير على القادة والأمراء والتفافهم حول القرآن والسنة.

7- استطاع الإمام السرهندي بعد جهاد مرير، وبلاء عظيم أن يصل إلى الملك نفسه وأصبح من حاشيته ولم يترك جلساء السوء ينفردون به بل عمل على دعوة قواد الجيش وحاشية الملك إلى الإسلام الصحيح، وتأثروا بالإمام السرهندي لما رأوا فيه من حسن الخلق وغزارة العلم، وإخلاص للدين، و زهد و ورع متين، وحكمة في الدعوة إلى الله، ولقد تعاون أولئك القادة مع الإمام السرهندي من أجل التمكين لدين الله وما هي إلا فترة وجيزة حتى أزيل دين الملك أكبر، الذي فرضه على الرعية، وأعيد للإسلام مكانته الرفيعة.

لقد تأثر الملك جهانكير بمبادئ الإمام السرهندي وأقواله، فاستبدل بالإلحاد الإيمان، وأحل الإسلام محل الزندقة، وجاهر بذلك على رءوس الملأ من قومه.

لقد أظهر الملك شعائر الإسلام ورفع أحكامه، وأعز أهله وبكى كثيرا على سابق تفريطه.

إن الإمام السرهندي مدرسة مهمة في فقه التمكين وله منهجية رائعة في أساليب الدعوة حققت نتائج عظيمة للمسلمين في الهند.

إن الاقتراب من رجال الدولة و الملوك و الأمراء من أجل دعوتهم إلى الإسلام و تمكين دينه قام به العلماء و الدعاة -من أمثال الإمام السرهندي- و حقق نتائج طيبة في نصرة دين الله.

 _________________

المرجع: "ترشيد الصحوة الإسلامية" من سلسلة بحوث إسلامية هامة 34 - للشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي.

المرجع: "فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم: أنواعه - شروطه - أسبابه - مراحله وأهدافه" - للشيخ الدكتور علي محمد الصلابي.