الثلاثاء، مارس ٢٤، ٢٠٠٩

أهل السنة و أهل القبلة... جـ.1.ـ

ما يتعلق بمنهج التعامل مع أهل القبلة:

1 - إن سبيل السنة والاتباع؛ كما هو أهدى السبل وأقومها هو كذلك أوسعها وأرحمها، وقد وَسِعَ السابقين الأولين من المهاجرين و الأنصار ومسلمي الأعراب، وبين هاتين المرتبتين من مقامات الإيمان ما لا يعلمه إلا الله (كما بيّن تعالى في سورة التوبة)، وأهل هذا السبيل السالكون له داخلون دخولاً أولياً في الأمة المصطفاة: [ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ] (فاطر: 32)...إلخ.

فلا يشقى ظالمهم بالسير مع سابقهم وإن تأخر، بل يحمل بعضهم بعضاً، ويجبر بعضهم كسر بعض، وكلهم صائرون إلى حسن العاقبة: منهم من يدخل من أبواب الجنة الثمانية، ومنهم من يلازم باباً واحداً، ومنهم بين ذلك. ومنهم من يدخلها بالقيام مقام الأنبياء، ومنهم من يدخلها بتهليلة في ساعة صفاء، أو دمعة في جوف الليل، أو درهم وضعه في يد مسكين، أو غصن من الشوك أزاحه عن طريق المسلمين.

2 - وهم متنوعون في مواهبهم ومقاماتهم، متحدون في منهجهم وغاياتهم:

منهم المجاهد، والآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، والمفسّر والمحدّث واللغوي والشاعر، ومنهم العامة المطيعون لله ورسوله ولو لم يحملوا من العلم شيئاً.

فكل من لم يُفسد عليه أهل البدع فطرته فهو منهم على فطرة السنة، كالمولود على فطرة الإسلام الذي لم يهوِّده أبواه ولم يُنصِّراه أو يُمجِّساه.

وأهل السنة والاتباع يؤدون حقوق الأمة كما أمر بها الشرع، فإن الشرع في مقام المعاملة مع الله وأداء حقِّه علّق دخول الجنة والفوز باسم (الإيمان) كما في آيٍ كثيرة جداً من كتاب الله، ولكنه في مقام التعامل مع الناس علّق حقوق صيانة الدم والمال والعرض باسم (الإسلام)، فقال: "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" [أخرجه: مسلم]، وقال: "حق المسلم على المسلم ست" [أخرجه: مسلم]، وقال: "المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده" [أخرجه: البخاري]؛ فمن ثبت له اسم الإسلام ثبتت له هذه الحقوق، ولا تسقط إلا بيقين ولمصلحة الدين، بل إن الله تعالى سمّى الطائفتين المتقاتلتين مؤمنين تنبيهاً لثبوت حقهما على سائر المسلمين، فقال تعالى: [إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ] (الحجرات: 10).

3 - وهم لا يُهْدرون الأحكام الثابتة والأصول الكلية لأجل الأحكام العارضة والوقائع العينية؛ فمن الأصول الكلية الثابتة بصريح الآيات والأحاديث الصحيحة: (وجوب اجتماع كلمة المسلمين)، ومن الأحكام العارضة: (هجر المبتدع أو الفاسق)، فما لم تكن المصلحة في ذلك راجحة فلا يصار إليه، وهو مما تتغير فيه الأحوال ويقبل تعدد الاجتهاد.

4 - وكلّ من صلّى صلاتهم، واستقبل قبلتهم، وأكل ذبيحتهم فهو منهم؛ له ما لهم، وعليه ما عليهم، وحسابه على الله، وسريرته إليه، لا تنقيب عن القلوب، ولا شقّ عن السرائر، ولا إساءة ظن، ولا غلّ على سابق بالإيمان، ولا تفريق للمسلمين بالألقاب والأسماء وإن كانت أشرف الأسماء، مثل "المهاجرين والأنصار"؛ لأنها إنما تقال على سبيل الثناء والتأليف أو التمييز والتعريف، فما أغنى عن المعتزلة تسميتهم أنفسهم بـ (أهل التوحيد والعدل)، ولا أغنى عن الصوفية دعواهم أنهم (أهل الولاية والقرب)، وقبلهم قالت اليهود و النصارى: [نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُه] (المائدة: 18).

5 - وهم يعدّون امتحان الناس بالولاء والبراء لطائفة أو معيّن من المحدثات التي زجر عنها السلف؛ فإن الموالاة والمعاداة تكون على الحقائق لا على الدعاوى والأسماء، وفي جماعتهم الصغرى قدوة لجماعتهم الكبرى؛ فكما أن الواجب هو أن يصلّوا كما صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون، وأن يكون إمامهم من أهل السنة والاتباع؛ دون أن يمنعوا دخول أهل النفاق والمعاصي إلى المسجد وصلاتهم بصلاة أهل السنة، فكذلك يجب أن يكون اجتماعهم العام على السنة بمفهومها الواسع العميق، ولا يمنع ذلك أن ينضم إليهم في نصرة الإسلام ومعاداة أعدائه مَنْ هو متلبس ببدعة أو مقيم على معصية، لكنهم يجتهدون في دعوة هؤلاء إلى الاستقامة مثلما يُعلّم الإمام جماعة المسجد كيف يؤدون الصلاة صحيحة، وهذا خير من أن يستقل أهل المعصية بمسجد وإمام، ويكون بين المسجدين عداوة وخصام.

6 - وهم أقوياء في الحق من غير غلوّ، ورحماء بالخلق من غير تهاون، وأشداء على أهل الضلال والبدع من غير عسف ولا جور، يأمرون بالمعروف بمعروف، وينهون عن المنكر بلا منكر.

7 - وهم يوفون الكيل والميزان بالقسط ولا يبخسون الناس أشياءهم، ويَزِنون الأمور بالعدل والحكمة، ويرتكبون أخف الضررين، ويجتنبون أكبر المفسدتين، ويصبرون على أهون الشرين، ويسلكون أقرب الطريقين، ويختارون أيسر الأمرين، يأوي إلى عدلهم المظلوم من كل أمة وطائفة، ويثق في علمهم طالب الحق من كل ملة ونِحْلة، فالعدل عندهم قيمة مطلقة؛ فإن الله تعالى جعله واجباً على كل أحد لكل أحد في كل حال؛ فهو قيمة مطلقة لا يحدها اختلاف الدين فضلاً عما هو أدنى من ذلك. قال تعالى: [وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا] (المائدة: 2)، و من لم يميز بين وجوب معاداة الكافرين والظالمين ووجوب العدل معهم، ويقيم الواجبَيْن معاً فليس من أهل الفقه في الدين والاتباع لسيد المرسلين الذي أوحى إليه ربه أن يقول: [وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ] (الشورى: 15).

8 - ومن حكمتهم في الدعوة: أن يظهروا محاسن الأئمة المتبوعين من أئمة العلم أو السلوك أو الدعوة، ويبينوا أن ما أوتوه من تعظيم وثناء إنما هو بسبب ما لديهم من اتباع للحق وجهاد من أجله، وأن ما نالهم من توفيق في دعوتهم فهو بسبب ما اتبعوا من السنة، ويجعلوا ذلك وسيلة لدعوة أتباعهم والمنتسبين إليهم إلى السنة والاتباع، ونبذ التعصب للمتبوعين، والعمل لنصرة الدين كما نصر أولئك الأئمة؛ وبذلك يجمعون بين العدل مع المتبوعين والدعوة الحكيمة للتابعين، كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كلامه عن الأئمة الأربعة وغيرهم كالأشعري، و عدي بن مسافر.

(يــتــبــع)

__________________

المرجع: "رسالة من القلب إلى إخواننا في اليمن" مقال بمجلة البيان العدد 181- للشيخ الدكتور سفر بن عبد الرحمن الحوالي. (باختصار و تصرف يسير، مثل تغيير كلمة "اليمن" إلى " بلاد المسلمين "؛ فالعبرة في مقام كهذا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب)

السبت، مارس ١٤، ٢٠٠٩

كلها في النار...إلا واحدة

عن معاوية بن أبي سفيان (و عن أنس أيضا) قال: ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال: (ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين و سبعين ملة، و إن هذه الملة ستفترق على ثلاث و سبعين، ثنتان و سبعون في النار، و واحدة في الجنة، و هي الجماعة). حديث صحيح. قال فيه الحاكم بعد سياقه لأسانيده: "هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح الحديث". و وافقه الذهبي. و قال شيخ الإسلام ابن تيمية فيه: "هو حديث صحيح مشهور". و صححه الشاطبي في "الاعتصام"، و قد جمع الشيخ ناصر الدين الألباني طرقه و تكلم على أسانيده، و بين أنه حديث صحيح لا شك في صحته (سلسلة الأحاديث الصحيحة).

و قد ذهب صديق حسن خان إلى أن الزيادة التي في الحديث و هي (كلها هالكة إلا واحدة) و مثلها: (ثنتان وسبعون في النار) زيادة ضعيفة، و نقل تضعيف ذلك عن شيخه الشوكاني و من قبله عن ابن الوزير و من قبله عن ابن حزم، و قد استحسن قول من قال: (إن هذه الزيادة من دسيس الملاحدة، فإن فيها التـنـفير عن الإسلام و التخويف من الدخول فيه) (يقظة أولي الاعتبار). و قال صديق حسن خان أن مقتضى الزيادة أن الذي يدخل الجنة من هذه الأمة قليل، و النصوص الصحيحة الثابتة تدل على أن الداخلين من هذه الأمة الجنة كثير كثير، يبلغون نصف أهل الجنة. (يقظة أولي الاعتبار).

فأما اختصارا ... فالردَ على هذا يمكن تلخيصه من وجوه:

الأول: ليس معنى انقسام الأمة إلى ثلاث و سبعين فرقة أن يكون أكثر الأمة في النار، لأن أكثر الأمة عوام لم يدخلوا في تلك الفرق، و الذين افترقوا و قـعّـدوا و أصّـلوا مخالفين السنة قليل بالنسبة للذين جانبوا ذلك كله.

الثـانـي: ليس كل من خالف أهل السنة في مسألة من مسائل يعد من الفرق المخالفة للسنة، بل المراد بـهم الذين تـبَـنّـوا أصولاً تصيّـرهم فرقة مستقلة بنفسها، تركـوا من أجلها كثيراً من نصوص الكتاب و السنة، كالخوارج و المعتزلة و الرافضة، أما الذين يتبنون الكتاب و السنة و لا يحيدون عنهما، فإنهم إذا خالفوا في مسألة من المسائل لا يعدون فرقة من الفرق.

الثـالـث: الزيادة دلت على أن الفرق في النار، و لكنها لم توجب لهم الخلود في النار.

ومن المعلوم أن بعض أهل هذه الفرق كفرة خالدون في النار، كغلاة الباطنية (كالإسماعيلية والدروز والنصيرية ونحوهم) الذين يُظِهرون الإيمان و يُبطنون الكفر.

و منهم الذين خالفوا أهل السنة في مسائل كبيرة عظيمة، و لكنها لا تصل إلى الكفر، فهؤلاء ليس لهم وعد مطلق بدخول الجنة، و لكنهم تحت المشيئة إن شاء الله غفر لهم، و إن شاء عذبهم، و قد تكون لهم أعمال صالحة عظيمة تنجيهم من النار، و قد ينجون من النار بشفاعة الشافعين، و قد يدخلون النار و يمكثون فيها ما شاء الله أن يمكثوا ثم يخرجون منها بشفاعة الشافعين و رحمة أرحم الراحمين.

و أما تفصيلا... فـقد رد الشيخ ناصر الدين الألباني على من ضعّف هذه الزيادة من وجهين:

الأول: أن النقد العلمي الحديثي قد دل على صحة هذه الزيادة، فلا عبرة بقول من ضعّـفها.

الثاني: أن الذين صححوها أكثر و أعلم من ابن حزم، لا سيما و هو معروف عند أهل العلم بتشدده بالنقد، فلا ينبغي أن يحتج به إذا تفرد عند عدم المخالفة، فكيف إذا خالف!؟

و أما ابن الوزير فإنه يرد الزيادة من جهة المعنى لا من جهة الإسناد، و ما كان كذلك فلا ينبغي الجزم بفساد المعنى لإمكان توجيهه وجهة صالحة ينتفي به الفساد الذي ادعاه. و كيف يستطاع الجزم بفساد معنى حديث تلقاه كبار الأئمة و العلماء من مختلف الطبقات بالقبول و صرحوا بصحته، هذا يكاد يكون مستحيلا!

و الشيخ صالح المقبلي، قد تكلم على هذا الحديث بكلام جيد من جهة ثبوته و معناه، قال رحمه الله تعالى في كتابه "العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء و المشايخ" (ص 414): "حديث افتراق الأمة إلى ثلاث و سبعين فرقة، رواياته كثيرة يشد بعضها بعضا بحيث لا يبقى ريبة في حاصل معناها". ( ثم ذكر حديث معاوية هذا، و حديث ابن عمرو بن العاص الذي أشار إليه الحافظ العراقي و حسنه الترمذي).

ثم قال: "و الإشكال في قوله: "كلها في النار إلا ملة"؛ فمن المعلوم أنهم خير الأمم، و أن المرجو أن يكونوا نصف أهل الجنة، مع أنهم في سائر الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود حسبما صرحت به الأحاديث، فكيف يتمشى هذا؟ فبعض الناس تكلم في ضعف هذه الجملة، و قال: هي زيادة غير ثابتة. و بعضهم تأول الكلام".

قال: "و من المعلوم أن ليس المراد من الفرقة الناجية أن لا يقع منها أدنى اختلاف، فإن ذلك قد كان في فضلاء الصحابة. إنما الكلام في مخالفة تصير صاحبها فرقة مستقلة ابتدعها. و إذا حققت ذلك فهذه البدع الواقعة في مهمات المسائل، و فيما يترتب عليه عظائم المفاسد لا تكاد تنحصر، و لكنها لم تخص معينا من هذه الفرق التي قد تحزبت و التأم بعضهم إلى قوم و خالف آخرون بحسب مسائل عديدة".

ثم أجاب عن الإشكال بما خلاصته: "إن الناس عـامّـة و خـاصّـة..

فالعامة آخرهم كأولهم، كالنساء و العبيد و الفلاحين و السوقة و نحوهم ممن ليس من أمر الخاصة في شيء، فلا شك في براءة آخرهم من الابتداع كأولهم.

و أما الخاصة...

(القسم الأول): فمنهم مبتدع اخترع البدعة و جعلها نصب عينيه، و بلغ في تقويتها كل مبلغ، و جعلها أصلا يرد إليها صرائح الكتاب و السنة، ثم تبعه أقوام من نمطه في الفقه و التعصب، و ربما جددوا بدعته و فرعوا عليها و حملوه ما لم يتحمله، و لكنه إمامهم المقدم و هؤلاء هم المبتدعة حقا، و هو شيء كبير (تكاد السماوات يتفطرن منه و تنشق الأرض و تخر الجبال هدا)، كنـفي حكمة الله تعالى، و نفي إقداره المكلف، و ككونه يكلف ما لا يطاق، و يفعل سائر القبائح و لا تقبح منه، و أخواتهن! و منها ما هو دون ذلك، و حقائقها جميعها عند الله تعالى، و لا ندري بأيها يصير صاحبها من إحدى الثلاث و سبعين فرقة.

(القسم الثاني): و من الناس من تبع هؤلاء و ناصرهم و قوى سوادهم بالتدريس و التصنيف، و لكنه عند نفسه راجع إلى الحق، و قد دس في تلك الأبحاث نقوضها في مواضع لكن على وجه خفي، و لعله تخيل مصلحة دنيئة، أو عظم عليه انحطاط نفسه و إيذاؤهم له في عرضه و ربما بلغت الأذية إلى نفسه. و على الجملة فالرجل قد عرف الحق من الباطل، و تخبط في تصرفاته، و حسابه على الله سبحانه، إما أن يحشره مع من أحب بظاهر حاله، أو يقبل عذره، و ما تكاد تجد أحدا من هؤلاء النظار إلا قد فعل ذلك، لكن شرهم و الله كثير، فلربما لم يقع خبرهم بمكان، و ذلك لأنه لا يفطن لتلك اللمحة الخفية التي دسوها إلا الأذكياء المحيطون بالبحث، و قد أغناهم الله بعلمهم عن تلك اللمحة، و ليس بكبير فائدة أن يعلموا أن الرجل كان يعلم الحق و يخفيه. و الله المستعان.

(القسم الثالث): و من الناس من ليس من أهل التحقيق، و لا هيّء للهجوم على الحقائق، و قد تدرب في كلام الناس، و عرف أوائل الأبحاث، و حفظ كثيرا من غثاء ما حصلوه و لكن أرواح الأبحاث بينه و بينها حائل. و قد يكون ذلك لقصور الهمة و الاكتفاء و الرضا عن السلف لوقعهم في النفوس. و هؤلاء هم الأكثرون عددا، و الأرذلون قدرا، فإنهم لم يحظوا بخصيصة الخاصة، و لا أدركوا سلامة العامة. فالقسم الأول من الخاصة مبتدعة قطعا. و الثاني ظاهره الابتداع، و الثالث له حكم الابتداع.

(القسم الرابع): و من الخاصة قسم رابع ثلة من الأولين، و قليل من الآخرين، أقبلوا على الكتاب و السنة و ساروا بسيرها، و سكتوا عما سكتا عنه، و أقدموا و أحجموا بهما و تركوا تكلف ما لا يعنيهم، و كان تهمهم السلامة، و حياة السنة آثر عندهم من حياة نفوسهم، و قرة عين أحدهم تلاوة كتاب الله تعالى، و فهم معانيه على السليقة العربية و التفسيرات المروية، و معرفة ثبوت حديث نبوي لفظا و حكما. فهؤلاء هم السنّـية حقا، و هم الفرقة الناجية، و إليهم العامة بأسرهم، و من شاء ربك من أقسام الخاصة الثلاثة المذكورين، بحسب علمه بقدر بدعتهم و نياتهم.

إذا حققت جميع ما ذكرنا لك، لم يلزمك السؤال المحذور و هو الهلاك على معظم الأمة، لأن الأكثر عددا هم العامة قديما و حديثا، و كذلك الخاصة في الأعصار المتقدمة، و لعل القسمين الأوسطين، و كذا من خفَـت بدعته من القسم الأول، تنقذهم رحمة ربك من الانتظام في سلك الابتداع بحسب المجازاة الأخروية، و رحمة ربك أوسع لكل مسلم، لكنا تكلمنا على مقتضى الحديث و مصداقه، و أن أفراد الفرق المبتدعة -و إن كثرت الفرق- فلعله لا يكون مجموع أفرادهم جزءا من ألف جزء من سائر المسلمين: فتأمل هذا تسلم من اعتقاد مناقضة الحديث لأحاديث فضائل الأمة المرحومة".

قلت (و الكلام للألباني): و هذا آخر كلام الشيخ المقبلي رحمه الله، و هو كلام متين يدل على علم الرجل و فضله و دقة نظره، و منه تعلم سلامة الحديث من الإشكال الذي أظن أنه عمدة ابن الوزير رحمه الله في إعلاله إياه. و الحمد لله على أن وفقنا للإبانة عن صحة هذا الحديث من حيث إسناده، و إزالة الشبهة عنه من حيث متنه. و هو الموفق لا إله إلا هو.

__________________

المرجع: "العقيدة في ضوء الكتاب والسنة - الجنة والنار" - للشيخ الدكتور عمر بن سليمان الأشقر. (باختصار و تصرف يسير)

المرجع: "سلسلة الأحاديث الصحيحة و شيء من فقهها و فوائدها" - للشيخ محمد ناصر الدين الألباني. (باختصار و تصرف يسير)

الاثنين، فبراير ٠٢، ٢٠٠٩

هل الاختلاف و الافتراق في معنى واحد؟ و هل هما مذمومان؟

... كل ما ورد من النصوص الشرعية في ذم الاختلاف فالمراد به:

-       الذي يخرج عن حدود الشرع وآدابه، ولا يكون المقصود به الحق بل الهوى والعصبية،

-       وكذلك كل خلاف يتمرد على الحَكَم الذي أوجب الشرع الرجوع إليه،

-       أو المراد به الاختلاف في أصل العقيدة،

وما أخبر به صلى الله عليه وسلم من وقوع الاختلاف في أمته فهو التفرق والانقسام، ولذلك حذَّر منه، وكذلك الفرق الثلاثة والسبعون التي ذكر أنها كلها في النار إلا واحدة، فإن المراد بها الاختلاف في العقائد وفيما أجمع عليه المسلمون ولذلك عبر بقوله (ستفترق) ولم يقل (ستختلف) لأن مطلق الاختلاف وقع حتى بين أصحابه، ولعل بعض الجهال طبق هذا الحديث على مذاهب أئمة الإسلام وعلى رأسهم الأئمة الأربعة مع أن أحداً ممن له أدنى فهم يعلم أن اختلاف هؤلاء كاختلاف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيه تفرق بل فيه سعة ورخصة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم..

وأما ما وقع من تفرق المقلـّدين في العصور المتأخرة التي هي عصور الانحطاط فإنه لا يعيب أصل ما ذهب إليه أولئك الأئمة المرضيون من الاختلاف إنما يقع العيب فيه على هؤلاء الأتباع الجهلة المتعصبين..

فإن اختلاف الصحابة والتابعين والأئمة المرضيين ومنهم الأئمة الأربعة واقع كله ضمن حمى الشرع وداخل أسواره، وإنما خرج عن ذلك الحد إلى خارج أسوار الإسلام أمثال الخوارج والروافض والجهمية وأشباههم ممن تكلموا بالشبهات في ـ قطعيات ـ الدين.

و هناك مسألة أخرى:

علماء الإسلام المرضيون عليهم رحمة الله ورضوانه من الصحابة والتابعين وتابعيهم في كل عصر لا يختلفون إلا بدليل أو تأويل، ولا يتصور أن أحداً منهم يخالف النص معتمداً أو بغير دليل.

وأخص بالذكر الأئمة الأربعة: أبا حنيفة ومالكاً والشافعي وأحمد لشهرتهم في هذا المجال وانتشار مذاهبهم في الدنيا.

فكل من له علم وتتبع أقوالهم وفتاويهم وتأمل استدلالهم وأصولهم العلمية يجد مصداق ذلك....

__________________

المرجع: سبع مسائل في علم الخلاف- للشيخ عبد العزيز القارئ. (باختصار و تصرف يسير)

 

السبت، أغسطس ٣٠، ٢٠٠٨

حملات "ركاز" .. لتعزيز الأخلاق



مثال راقٍ على التعاون في الخير و الوفاق، و نبذ الفرقة و الشقاق...


في مثل هذه المشاريع الضخمة الفاعلة الهادفة ينبغي أن نجتمع...



الأربعاء، أغسطس ٢٧، ٢٠٠٨

هذا هو الطريق


هذا هو الطريق


لقد بُعث رسول الله-صلى الله عليه وسلم- بهذا الدين، وأخصب بلاد العرب وأغناها ليست في يد العرب، إنما هي في أيدي غيرهم من الأجناس!بلاد الشام كلها في الشمال خاضعة للروم، يحكمها أمراء عرب من قبل الروم، وبلاد اليمن كلها في الجنوب خاضعة للفرس، يحكمها أمراء عرب من قبل الفرس، وليست في أيدي العرب إلا الحجاز تهامة ونجد، وما إليها من الصحاري القاحلة التي تتناثر فيها الواحات الخصبة هنا وهناك!وربما قيل أنه كان باستطاعة محمد -صلى الله عليه وسلم-وهو الصادق الأمين الذي حكَمه أشراف قريش من قبل في وضع الحجر الأسود، وارتضوا حكمه منذ خمسة عشر عاماً قبل الرسالة، والذي هو في الذؤابة من بني هاشم أعلى قريش نسباً.. أنه كان في استطاعته أن يثيرها قومية عربية تستهدف تجميع قبائل العرب التي أكلتها الثارات ومزقتها النزاعات، وتوجيهها وجهة قومية لاستخلاص أرضها المغتصبة من الإمبراطوريات المستعمرة.. الرومان في الشمال والفرس في الجنوب.. وإعلاء راية العربية والعروبة، وإنشاء وحدة قومية في كل أرجاء الجزيرة. وربما قيل: أنه لو دعا رسول الله-صلى الله عليه وسلم- هذه الدعوة لاستجابت له العرب قاطبة، بدلاً من أن يعاني ثلاثة عشر عاماً في اتجاه معارض لأهواء أصحاب السلطان في الجزيرة!وربما قيل: أن محمداً-صلى الله عليه وسلم- كان خليقاً- بعد أن يستجيب له العرب هذه الاستجابة، وبعد أن يولَوه فيهم القيادة والسيادة، وبعد استجماع السلطان في يديه، والمجد فوق مفرقيه-أن يستخدم هذا كله في إقرار عقيدة التوحيد التي بعث بها، في تعبيد الناس لسلطان ربهم بعد أن عبَدهم لسلطانه البشرى!ولكن الله-سبحانه- وهو العليم الحكيم، لم يوجه رسوله- صلى الله عليه وسلم- هذا التوجيه! إنما وجهه إلى أن يصدع بـ (لا اله إلا الله)، وأن يحتمل هو والقلة التي تستجيب له كل هذا العناء!لماذا؟ أن الله-سبحانه- لا يريد أن يعنت رسوله والمؤمنين معه. إنما هو-سبحانه- يعلم أن هذا ليس هو الطريق، ليس الطريق أن تخلص الأرض من يد طاغوت روماني أو طاغوت فارسي، إلى يد طاغوت عربي. فالطاغوت كله طاغوت! إن الأرض لله، ويجب أن تخلص لله. ولا تخلص لله إلا أن ترفع كلمة (لا اله إلا الله). وليس الطريق أن يتحرر الناس في هذه الأرض من طاغوت روماني أو فارسي، إلى طاغوت عربي. فالطاغوت كله طاغوت! أن الناس عبيد لله وحده، ولا يكونون عبيداً لله إلا أن ترتفع راية(لا اله إلا الله)-لا اله إلا الله كما يدركها العربي العارف بمدلولات لغته،: لا حاكمية إلا الله، ولا شريعة إلا من الله، ولا سلطان لأحد على أحد، لأن السلطان كله لله، ولأن( الجنسية) التي يريدها الإسلام للناس هي جنسية العقيدة، التي يتساوى فيها العربي والروماني والفارسي وسائر الأجناس والألوان تحت راية الله. وهذا هو الطريق.. ***وبعث رسول الله-صلى الله عليه وسلم-بهذا الدين، والمجتمع العربي كأسوأ ما يكون المجتمع توزيعاً للثروة والعدالة. قلة قليلة تملك المال والتجارة، وتتعامل بالربا فتتضاعف تجارتها ومالها. وكثرة كثيرة لا تملك إلا الشظف والجوع. والذين يملكون الثروة يملكون معها الشرف والمكانة، وجماهير كثيرة ضائعة من المال والمجد جميعاً! وربما قيل: أنه كان في استطاعة محمد-صلى الله عليه وسلم- أن يرفعها راية اجتماعية، وأن يثيرها حرباً على طبقة الأشراف، وأن يطلقها دعوة تستهدف تعديل الأوضاع، ورد أموال الأغنياء على الفقراء! وربما قيل: أنه لو دعا يومها رسول الله-صلى الله عليه وسلم-هذه الدعوة، لانقسم المجتمع العربي صفين: الكثرة الغالبة مع الدعوة الجديدة في وجه طغيان المال والشرف والجاه، والقلة القليلة مع هذه الموروثات، بدلاً من أن يقف المجتمع كله صفاً في وجه (لا اله إلا الله) التي لم يرتفع إلى أفقها في ذلك الحين إلا الأفذاذ من الناس! وربما قيل: أن محمداً-صلى الله عليه وسلم-كان خليقاً بعد أن تستجيب له الكثرة، وتوليه قيادها، فيغلب بها القلة ويسلس له مقادها، أن يستخدم مكانه يومئذ وسلطانه في إقرار عقيدة التوحيد التي بعثه بها ربه، وفي تعبيد الناس لسلطان ربهم بعد أن عبَدهم لسلطانه البشرى! لكن الله-سبحانه- وهو العليم الحكيم، لم يوجهه هذا التوجيه.. لقد كان الله-سبحانه- يعلم أن هذا ليس هو الطريق.. كان يعلم أن العدالة الاجتماعية لابد أن تنبثق في المجتمع من تصور اعتقادي شامل، يرد الأمر كله لله، ويقبل عن رضى وعن طواعية ما يقضي به الله من عدالة التوزيع، ومن تكافل الجميع، ويستقر معه في قلب الآخذ والمأخوذ منه سواء أنه ينفذ نظاماً شرعه الله، ويرجوا على الطاعة فيه الخير والحسنى في الدنيا والآخرة سواء. فلا تمتلئ قلوب بالطمع ولا تمتلئ قلوب بالحقد، ولا تسير الأمور كلها بالسيف والعصا وبالتخويف والإرهاب! ولا تفسد القلوب كلها وتختنق الأرواح، كما يقع في الأوضاع التي تقوم على غير(لا اله إلا الله). ***وبُعث رسول الله-صلى الله عليه وسلم-والمستوى الأخلاقي في الجزيرة العربية في الدرك الأسفل في جوانب منه شتى- إلى جانب ما كان في المجتمع من فضائل الخامة البدوية. كان التظالم فاشيا في المجتمع، تعبر عنه حكمة الشاعر (زهير بن أبي سلمى): ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه *** يهدَّم ومن لا يظلم الناس يُظلمِويعبر عن القول المتعارف في الجاهلية انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً.وكانت الخمر والميسر من تقاليد المجتمع الفاشية، ومن مفاخره كذلك يعبر عن هذه الخصلة الشعر الجاهلي بجملته.. كالذي يقول طرفة بن العبد: فلولا ثلاث هن من عيشة الفتى*** وجدَك لم أحفل متى قام عوَّديفمنهن سبقى العاذلات بشـربة *** كـميت متى ما تعل بالماء تزبدوما زال تشاربي الخـمور ولذتي *** وبذلي وإنفاقي طريقي وتالديإلى أن تحامتنى العشـيرة كلهـا *** وأفردت إفأـراد البعـيـــر المـعبًّــدوكانت الدعارة- في صور شتى- من معالم هذا المجتمع- شأنه شأن كل مجتمع جاهلي قديم أو حديث- كالتي روته عائشة رضي الله عنها:(أن النكاح في الجاهلية كان على أربع أنحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم.. يخطب الرجل إلى الرجل وليَته او ابنته، فيصدقها ثم ينكحها.. والنكاح الآخر كان الرجل يقول لامرأته- إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان فاستبعضي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها ابدً حتى يتبين حملها من ذلك الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها الرجل إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد! فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع.. ونكاح آخر: يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة، كلهم يصيبها. فإذا حملت ووضعت، ومر عليها ليال بعد أن تضع حملها، أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت فهو ابنك يا فلان، تسمى من أحبت باسمه فيلحق به ولدها، ولا يستطيع أن يمتنع به الرجل.. والنكاح الرابع: يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع من جاءها .. وهن البغايا.. كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علماً، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها، جمعوا لها ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاطه، ودعى ابنه لا يمتنع عن ذلك)( ).وربما قيل: أنه كان قي استطاعة محمد-صلى الله عليه وسلم- أن يعلنها دعوة إصلاحية، تتناول تقويم الأخلاق، وتطهير المجتمع، وتزكية النفوس.وربما قيل: أنه-صلى الله عليه وسلم- كان واجداً وقتها- كما يجد كل مصلح أخلاقي في أية بيئة- نفوساً طيبة يؤذيها هذا الدنس.وتأخذها الأريحية والنخوة لتلبية دعوة الإصلاح والتطهير.وربما قال قائل: أنه لو صنع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذلك لاستجابت له- في أول الأمر- جمهرة صالحة، تتطهر أخلاقها، وتزكوا أرواحها، فتصبح أقرب إلى قبول العقيدة وحملها، بدلاً من أن تثير دعوة(لا اله إلا الله) المعارضة القوية منذ أول الطريق. ولكن الله- سبحانه- كان يعلم أن ليس هذا هو الطريق! كان يعلم أن الأخلاق لا تقوم على أساس من عقيدة، تضع الموازين، وتقرر القيم، كما تقرر السلطة التي تستند إليها هذه الموازين والقيم، والجزاء الذي تملكه هذه السلطة، وتوقعه على الملتزمين والمخالفين. وأنه قبل تقرير هذه العقيدة، وتحديد هذه السلطة تظل القيم كلها متأرجحة وتظل الأخلاق التي تقوم عليها متأرجحة كذلك، بلا ضابط، وبلا سلطان، وبلا جزاء! فلما تقررت العقيدة-بعد الشاق- وتقررت السلطة التي ترتكن إليها هذه العقيدة.. لما عرف الناس ربهم وعبدوه وحده.. لما تحرر الناس من سلطان العبيد ومن سلطان الشهوات سواء.. لما تقررت في القلوب (لا اله إلا الله).. صنع الله بها وبأهلها كل شيء مما يقترحه المقترحون.. تطهرت الأرض من (الرومان والفرس).. لا ليتقرر فيها سلطان (العرب). ولكن ليتقرر فيها سلطان (الله).. لقد تطهرت من سلطان (الطاغوت) كله.. رومانياً، وفارسياً، وعربياً، على السواء. وتطهر المجتمع من الظلم الاجتماعي بجملته. وقام (النظام الإسلامي)، يعدل بعدل الله، ويزن بميزان الله، ويرفع راية العدالة الاجتماعية باسم الله وحده، ويسميها راية (الإسلام). لا يقرن إليها اسماً آخر، ويكتب عليها: (لا اله إلا الله)!وتطهرت النفوس والأخلاق، وزكت القلوب والأرواح، دون أن يحتاج الأمر حتى للحدود والتعازير التي شرعها الله- إلا في الندرة النادرة- لأن الرقابة قامت هناك في الضمائر، ولأن الطمع في رضا الله وثوابه، والحياة والخوف من غضبه وعقابه، قد قاما مقام الرقابة ومكان العقوبات. وارتفعت البشرية في نظامها، وفي أخلاقها، وفي حياتها كلها، إلى القمة السامقة التي لم ترتفع إليها من قبل قط، والتي لم ترتفع إليها من بعد إلا في ظل الإسلام. ولقد تم هذا كله لأن الذين أقاموا هذا الدين في صورة دولة ونظام وشرائع وإحكام، كانوا قد أقاموا هذا الدين من قبل في ضمائرهم وفي حياتهم، في صورة عقيدة وخلق وعبادة وسلوك. وكانوا قد وعدوا على إقامة هذا الدين وعداً واحداً، لا يدخل فيه الغلب والسلطان.. ولا حتى بهذا الدين على أيديهم.. وعداً واحداً لا يتعلق بشيء في هذه الدنيا.. وعداً واحداً هو الجنة. هذا كل وعدوه على الجهاد المضني، والابتلاء الشاق، والمضي في الدعوة، ومواجهة الجاهلية بالأمر الذي يكرهه أصحاب السلطان في كل زمان وفي كل مكان، وهو: ( لا إله إلا الله)! فلما أن ابتلاهم الله فصبروا، ولما أن فرغت نفوسهم من حظ نفوسهم، ولما أن علم الله منهم أنهم لا ينتظرون جزاء في هذه الأرض- كائناً ما كان هذا الجزاء، ولو كان هو انتصار هذه الدعوة على أيديهم، وقيام هذا الدين في الأرض بجهدهم- ولما لم يعد في نفوسهم اعتزاز بجد ولا قوم، ولا اعتزاز بوطن ولا أرض، ولا اعتزاز بعشيرة ولا بيت.. لما أن علم الله منهم ذلك كله، علم أنهم قد أصبحوا- إذن- أمناء على هذه الأمانة الكبرى.. أمناء على العقيدة، التي يتفرد فيها الله- سبحانه- بالحاكمية في القلوب والضمائر، وفي السلوك والشعائر، وفي الأرواح والأموال، وفي الأوضاع والأحوال.. وأمناء على السلطان الذي يوضع في أيديهم ليقوموا به على شريعة الله ينفذونها، وعلى عدل الله يقيمونه، دون أن يكون لهم من ذلك السلطان شيء لأنفسهم، ولا لعشيرتهم، ولا لقومهم، ولا لجنسهم. إنما يكون السلطان الذي في أيديهم لله، ولدينه وشريعته، لأنهم يعلمون أنه من الله، هو الذي آتاهم إياه. ولم يكن شيء من هذا المنهج المبارك ليتحقق على هذا المستوى الرفيع، إلا أن تبدأ الدعوة ذلك البدء. وإلا أن ترفع الدعوة هذه الراية وحدها.. راية لا اله إلا الله.. ولا ترفع معها سواها. وإلا أن تسلك الدعوة هذا الطريق الوعر الشاق في ظاهره، المبارك الميسر في حقيقته. وما كان هذا المنهج المبارك ليخلص لله، لو أن الدعوة بدأت خطواتها الأولى دعوة قومية، أو دعوة اجتماعية، أو دعوة أخلاقية.. أو رفعت أي شعار بجانب شعارها الواحد: (لا اله إلا الله). ذلك شأن القرآن المكي كله في تقرير: (لا اله إلا الله) في القلوب والعقول، واختيار هذا الطريق-على مشقته في الظاهر- وعدم اختيار السبل الجانبية الأخرى، والإصرار على هذا الطريق.من كتاب معالم في الطريق للأستاذ / سيد قطب

الثلاثاء، أغسطس ٢٦، ٢٠٠٨

العواطف والضوابط

علي بن عمر بادحدح

أضيفت بتاريخ : 03 - 08 - 2003 نقلا عن : خاص بإذاعة طريق الإسلام


بين جوانح كل مؤمن قلب غيور ونفس أبية، وفي صدر كل مسلم حماسة إيمانية وحمية إسلامية، وما من شك أن مآسي المسلمين تدمي القلوب ألما، وتعتصر النفوس أسى، وتمور المشاعر وتجيش العواطف ويتقد الحماس وهنا إما أن تطلق هذه العواطف لتحدث العواصف والقواصف، لا تلوي على شيء ولا تفكر في عاقبة ولا ترعوي عن حرمة، وإما أن تبالغ في تصور العوائق، وتضخيم العواقب، فترتد عاجزة محبطة قد امتلأت يأسا يئد حيويتها، ويضعف قدرتها، ويصرفها عن الانشغال بأحوال الأمة والإسهام في نصرتها .إنه لا بد من الإقرار بأن العواطف طبيعة وفطرة بشرية، وأنها في الوقت نفسه عامل مؤثر في واقع الحياة الإنسانية سلبا وإيجابا، ولكن المسلم لا يقرر إيقاع أفعاله أو الحكم بصوابها وخطئها من منطلق العاطفة، ولا بمقياس ردود الأفعال، بل هو ملتزم بضوابط الشرع وأحكام الدين، وكل أقواله وأفعاله ينبغي أن تنضبط بأمرين أساسيين أولهما : الحكم الشرعي المستفاد من النصوص والمقاصد والقواعد الشرعية، وثانيهما : مراعاة المصالح والمفاسد عند تنـزيل الأحكام الشرعية على الأحوال والحوادث الآنية والواقعية، وكلا الأمرين لا يلغي العاطفة بل يضبطها ، ولا يمنعها بل يوجهها .هناك من يطلقون العنان لعواطفهم، ويسلمون القياد لحماستهم، فيندفعون بلا روية، ويواجهون بلا حكمة، ويغيرون بلا تدرج، وينكرون بلا تفقه، إلى هؤلاء أقول تذكروا قول الحق تعالى:{ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب }، وأسوق لهم حديث خباب رضي الله عنه يوم اشتد عليه العذاب فشكا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم الشفيق الرحيم فذكره بمن كان أشد منه عذابا ثم قال:" والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون".وأذكرهم بما أمر به المصطفى صلى الله عليه وسلم في الفترة المكية رغم شدة الأذى وضغط الاستفزاز :{ واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا }، ولا ينبغي الإسراع والاندفاع بدون الحكمة والانضباط، إذ ربما يكون ذلك استفزازا من الأعداء واستدراجا من المتربصين:{ فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون}، وفي يوم بيعة العقبة الثانية قال العباس بن عبادة بن نضلة:" والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا" فقال عليه الصلاة والسلام:" لم نؤمر بذلك"، وهنا يرد ذكر قوله تعالى:{ ألم تر الذي قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا }.ولعل مما يرد في المقام موقف الفاروق عمر بن الخطاب ; يوم صلح الحديبية حيث تحركت غيرته، وهاجت حميته، وزادت حماسته وجاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: يارسول الله ألست برسول الله ؟ قال: بلى، قال: أولسنا بمسلمين ؟ قال : بلى، قال: أو ليسوا بمشركين ؟ قال: بلى، قال : فعلام نعطي الدنية في ديننا ؟ قال: أنا عبدالله ورسول الله لن أخالف أمره ولن يضيعني ، قال عمر: ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة من كلامي الذي تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيرا"، وهذه هي الطريق حماسة وحمية لكن تضبطها مرجعية منهجية .وربما يكون هناك ما يستفز ويزعج من تسلط الأعداء أو تفلت الأولياء، ولابد من تأثر لذلك وتغير، ولابد من صد ومنع، ولابد من عمل وإصلاح، وذلك مطلب فيه تصديق للإيمان، وإظهار لآثاره ولكن مراعاة المصالح والمفاسد، واعتبار المآلات والمقاصد، وقبل ذلك التزام التشريعات والأحكام يضبط العاطفة ولا يمنعها، ويحقق الفائدة ولا يضيعها، وكثيرا ما تكون العاطفة دافعة إلى مراعاة الأمور الصغيرة والوقوف عندها على حساب ما هو أكبر منها، ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية أمر الكاتب أن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فاعترض سهيل بن عمرو (ممثل قريش) وقال: لا أعرف هذا ولكن اكتب باسمك اللهم، ولما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : « هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو » ، قال: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك ! وفي كل مرة كان المسلمون والكاتب علي بن أبي طالب رضي الله عنه يرفضون ويرون ذلك مجحفا لهم ومنقصا لمكانتهم ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل تجاوز هذه الأمور والشكليات العارضة لنظره إلى ما هو أعلى وأسمى.وأحيانا تدفع العاطفة لقطف الثمرة القليلة العاجلة، ولا يكون لديها القدرة على الأناة والصبر للعمل والدأب من أجل الثمرة العظيمة الآجلة، ولو كان ضبط لما كان ذلك، فهذا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يوم الأحزاب يدخل معسكر المشركين بتكليف محدد من النبي صلى الله عليه وسلم وهو استجلاء ومعرفة الأخبار، ومع تحذير من إحداث أي فعل، وهاهو حذيفة يخبرنا فيقول:" لولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أحدث شيئا، ثم شئت أن أقتل أبا سفيان لقتلته بسهم"، نعم لقد كان أمام عينه وفي متناول يده وهو – يومئذ – رأس الكفر، وقائد الجيش، ولكنها الضوابط التي تلتزم، والمصالح التي ترتجى، توجهه وترشده، بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف في عمرة القضاء في العام السابع وحول الكعبة ثلاثمائة و ستون صنما، ما عابها ولا شتمها ولا بصق عليها، وهو – قطعا- منكر لها وراغب في هدمها وإزالتها، ولكن الأوان لم يحن بعد، وفي فتح مكة بعد عام واحد فقط، أسقطها واحدا واحدا وهو يتلو :{ وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا }.إن الذي لا عاطفة عنده، ولا غيرة لديه، ولا حمية بين جنبيه عنده في إيمانه نقص وضعف ولا يرجى منه حركة وعمل، وندعوه لأن يراجع نفسه، ويعالج ضعفه، وذو العاطفة الجياشة نشكره وندعوه إلى ترشيدها في ضوء الشرع وضبطها بمراعاة المصلحة، ومسك الختام هذه الكلمات المشرقة للداعية الفذ الأستاذ البنا رحمه الله:" ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف ".

الخميس، يوليو ٠٣، ٢٠٠٨

عن اختلاف الجماعات...

لا يزعجني أن يكون في الصحوة مدارس أو فصائل أو جماعات لكل منها منهجه في خدمة الإسلام، و العمل على التمكين له في الأرض، وفقا لتحديد الأهداف و ترتيبها، و تحديد الوسائل و مراحلها، و الثقة بالقائمين على تنفيذها من حيث القوة و الأمانة، أو الكفاية و الإخلاص.

و من السذاجة بحيث أدعو إلى جماعة أو حركة واحدة، تضم جميع العاملين للإسلام في نظام واحد، و تحت قيادة واحدة، فهذا تقف دونه حوائل شتى، و هو طمع في غير مطمع.

و قد ذكرت في أكثر من بحث لي أنه لا مانع أن تتعدد الفصائل و الجماعات العاملة لنصرة الإسلام، إذا كان تعدد تنوع و تخصص، لا تعدد تعارض و تناقض..على أن يتم بين الجميع قدر من التعاون و التنسيق، حتى يكمل بعضهم بعضا.. و يشد بعضهم أزر بعض، و أن يقفوا في القضايا المصيرية، و الهموم المشتركة، صفا واحدا كأنهم بنيان مرصوص.

....

والحق أن الاختلاف في ذاته ليس خطرا، و خصوصا في مسائل الفروع، و بعض الأصول غير الأساسية، إنما الخطر في التفرق و التعادي الذي حذر الله و رسوله منه.

لهذا كانت الصحوة الإسلامية و الحركة الإسلامية بمختلف اتجاهاتها و مدارسها في حاجة إلى وعي عميق بما نسميه (فقه الاختلاف).

و هو أحد أنواع خمسة من الفقه ينبغي التركيز عليها، لأننا أحوج ما نكون إليها، و هي:

1. فقه المقاصد:

الذي لا يقف عند جزئيات الشريعة و مفرداتها وحدها، بل ينفذ منها إلى كلياتها و أهدافها في كل جوانب الحياة و استكمال الشوط الذي قام به الإمام الشاطبي في (موافقاته) و إبراز العناية بالمقاصد الاجتماعية خاصة.

2. فقه الأولويات و مراتب الأعمال:

و كنت نبهت عليه في كتابي "الصحوة الإسلامية بين الجحود و التطرف" و لا زال يحتاج إلى مزيد من التعميق و التأصيل و التفصيل و التطبيق على الواقع.

3. فقه السنن:

أعني القوانين الكونية و الاجتماعية التي أقام الله عليها عالمنا هذا، و قضى بأنها لا تتبدل و لا تتحول مثل سنن: التغيير و النصر و التدرج.. و غيرها.

4. فقه الموازنة بين المصالح و المفاسد:

و هو مبني على فقه الواقع و دراسته دراسة علمية مبنية على ما يسره لنا عصرنا من معلومات و إمكانات، لم يكن يحلم بها بشر، سواء واقعنا و واقع الآخرين، بعيدا عن التهوين و التهويل.

5. فقه الاختلاف:

الذي عرفه خير قرون الأمة من الصحابة و التابعين و أئمة الهدى، فلم يضرهم الاختلاف العلمي شيئا، و جهلناه فأصبحنا يعادي بعضنا بعضا، بسبب مسائل يسيرة، أو بغير سبب!!

__________________

المرجع: الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم - للشيخ الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي. (باختصار و تصرف يسير)

______________________________________________________

السؤال:

كما تعرفون فإن الساحة تعج بعدد من الجماعات والحركات الاسلامية, ولكن أيها على صواب وأيها على خطأ؟ فكل واحدة منهم تدعي أنها الصواب وأن عند غيرهم بعض من الأخطاء.
فأرجو منكم أن توضحوا لي الصورة لأكون على دراية بأمر هام من ديني و بأي طريق أسير؟
و من ناحية أخرى لم كل هذه التفرعات؟ و هل هذه الجماعات هي التي ذكرها الرسول عليه الصلاة والسلام؟

المفتي:

حامد بن عبد الله العلي

الجواب:

هــــــنـــــــا