الثلاثاء، مارس ٢٤، ٢٠٠٩

أهل السنة و أهل القبلة... جـ.1.ـ

ما يتعلق بمنهج التعامل مع أهل القبلة:

1 - إن سبيل السنة والاتباع؛ كما هو أهدى السبل وأقومها هو كذلك أوسعها وأرحمها، وقد وَسِعَ السابقين الأولين من المهاجرين و الأنصار ومسلمي الأعراب، وبين هاتين المرتبتين من مقامات الإيمان ما لا يعلمه إلا الله (كما بيّن تعالى في سورة التوبة)، وأهل هذا السبيل السالكون له داخلون دخولاً أولياً في الأمة المصطفاة: [ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ] (فاطر: 32)...إلخ.

فلا يشقى ظالمهم بالسير مع سابقهم وإن تأخر، بل يحمل بعضهم بعضاً، ويجبر بعضهم كسر بعض، وكلهم صائرون إلى حسن العاقبة: منهم من يدخل من أبواب الجنة الثمانية، ومنهم من يلازم باباً واحداً، ومنهم بين ذلك. ومنهم من يدخلها بالقيام مقام الأنبياء، ومنهم من يدخلها بتهليلة في ساعة صفاء، أو دمعة في جوف الليل، أو درهم وضعه في يد مسكين، أو غصن من الشوك أزاحه عن طريق المسلمين.

2 - وهم متنوعون في مواهبهم ومقاماتهم، متحدون في منهجهم وغاياتهم:

منهم المجاهد، والآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، والمفسّر والمحدّث واللغوي والشاعر، ومنهم العامة المطيعون لله ورسوله ولو لم يحملوا من العلم شيئاً.

فكل من لم يُفسد عليه أهل البدع فطرته فهو منهم على فطرة السنة، كالمولود على فطرة الإسلام الذي لم يهوِّده أبواه ولم يُنصِّراه أو يُمجِّساه.

وأهل السنة والاتباع يؤدون حقوق الأمة كما أمر بها الشرع، فإن الشرع في مقام المعاملة مع الله وأداء حقِّه علّق دخول الجنة والفوز باسم (الإيمان) كما في آيٍ كثيرة جداً من كتاب الله، ولكنه في مقام التعامل مع الناس علّق حقوق صيانة الدم والمال والعرض باسم (الإسلام)، فقال: "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" [أخرجه: مسلم]، وقال: "حق المسلم على المسلم ست" [أخرجه: مسلم]، وقال: "المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده" [أخرجه: البخاري]؛ فمن ثبت له اسم الإسلام ثبتت له هذه الحقوق، ولا تسقط إلا بيقين ولمصلحة الدين، بل إن الله تعالى سمّى الطائفتين المتقاتلتين مؤمنين تنبيهاً لثبوت حقهما على سائر المسلمين، فقال تعالى: [إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ] (الحجرات: 10).

3 - وهم لا يُهْدرون الأحكام الثابتة والأصول الكلية لأجل الأحكام العارضة والوقائع العينية؛ فمن الأصول الكلية الثابتة بصريح الآيات والأحاديث الصحيحة: (وجوب اجتماع كلمة المسلمين)، ومن الأحكام العارضة: (هجر المبتدع أو الفاسق)، فما لم تكن المصلحة في ذلك راجحة فلا يصار إليه، وهو مما تتغير فيه الأحوال ويقبل تعدد الاجتهاد.

4 - وكلّ من صلّى صلاتهم، واستقبل قبلتهم، وأكل ذبيحتهم فهو منهم؛ له ما لهم، وعليه ما عليهم، وحسابه على الله، وسريرته إليه، لا تنقيب عن القلوب، ولا شقّ عن السرائر، ولا إساءة ظن، ولا غلّ على سابق بالإيمان، ولا تفريق للمسلمين بالألقاب والأسماء وإن كانت أشرف الأسماء، مثل "المهاجرين والأنصار"؛ لأنها إنما تقال على سبيل الثناء والتأليف أو التمييز والتعريف، فما أغنى عن المعتزلة تسميتهم أنفسهم بـ (أهل التوحيد والعدل)، ولا أغنى عن الصوفية دعواهم أنهم (أهل الولاية والقرب)، وقبلهم قالت اليهود و النصارى: [نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُه] (المائدة: 18).

5 - وهم يعدّون امتحان الناس بالولاء والبراء لطائفة أو معيّن من المحدثات التي زجر عنها السلف؛ فإن الموالاة والمعاداة تكون على الحقائق لا على الدعاوى والأسماء، وفي جماعتهم الصغرى قدوة لجماعتهم الكبرى؛ فكما أن الواجب هو أن يصلّوا كما صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون، وأن يكون إمامهم من أهل السنة والاتباع؛ دون أن يمنعوا دخول أهل النفاق والمعاصي إلى المسجد وصلاتهم بصلاة أهل السنة، فكذلك يجب أن يكون اجتماعهم العام على السنة بمفهومها الواسع العميق، ولا يمنع ذلك أن ينضم إليهم في نصرة الإسلام ومعاداة أعدائه مَنْ هو متلبس ببدعة أو مقيم على معصية، لكنهم يجتهدون في دعوة هؤلاء إلى الاستقامة مثلما يُعلّم الإمام جماعة المسجد كيف يؤدون الصلاة صحيحة، وهذا خير من أن يستقل أهل المعصية بمسجد وإمام، ويكون بين المسجدين عداوة وخصام.

6 - وهم أقوياء في الحق من غير غلوّ، ورحماء بالخلق من غير تهاون، وأشداء على أهل الضلال والبدع من غير عسف ولا جور، يأمرون بالمعروف بمعروف، وينهون عن المنكر بلا منكر.

7 - وهم يوفون الكيل والميزان بالقسط ولا يبخسون الناس أشياءهم، ويَزِنون الأمور بالعدل والحكمة، ويرتكبون أخف الضررين، ويجتنبون أكبر المفسدتين، ويصبرون على أهون الشرين، ويسلكون أقرب الطريقين، ويختارون أيسر الأمرين، يأوي إلى عدلهم المظلوم من كل أمة وطائفة، ويثق في علمهم طالب الحق من كل ملة ونِحْلة، فالعدل عندهم قيمة مطلقة؛ فإن الله تعالى جعله واجباً على كل أحد لكل أحد في كل حال؛ فهو قيمة مطلقة لا يحدها اختلاف الدين فضلاً عما هو أدنى من ذلك. قال تعالى: [وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا] (المائدة: 2)، و من لم يميز بين وجوب معاداة الكافرين والظالمين ووجوب العدل معهم، ويقيم الواجبَيْن معاً فليس من أهل الفقه في الدين والاتباع لسيد المرسلين الذي أوحى إليه ربه أن يقول: [وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ] (الشورى: 15).

8 - ومن حكمتهم في الدعوة: أن يظهروا محاسن الأئمة المتبوعين من أئمة العلم أو السلوك أو الدعوة، ويبينوا أن ما أوتوه من تعظيم وثناء إنما هو بسبب ما لديهم من اتباع للحق وجهاد من أجله، وأن ما نالهم من توفيق في دعوتهم فهو بسبب ما اتبعوا من السنة، ويجعلوا ذلك وسيلة لدعوة أتباعهم والمنتسبين إليهم إلى السنة والاتباع، ونبذ التعصب للمتبوعين، والعمل لنصرة الدين كما نصر أولئك الأئمة؛ وبذلك يجمعون بين العدل مع المتبوعين والدعوة الحكيمة للتابعين، كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كلامه عن الأئمة الأربعة وغيرهم كالأشعري، و عدي بن مسافر.

(يــتــبــع)

__________________

المرجع: "رسالة من القلب إلى إخواننا في اليمن" مقال بمجلة البيان العدد 181- للشيخ الدكتور سفر بن عبد الرحمن الحوالي. (باختصار و تصرف يسير، مثل تغيير كلمة "اليمن" إلى " بلاد المسلمين "؛ فالعبرة في مقام كهذا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب)

0 تعليقات: