السبت، مارس ١٤، ٢٠٠٩

كلها في النار...إلا واحدة

عن معاوية بن أبي سفيان (و عن أنس أيضا) قال: ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال: (ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين و سبعين ملة، و إن هذه الملة ستفترق على ثلاث و سبعين، ثنتان و سبعون في النار، و واحدة في الجنة، و هي الجماعة). حديث صحيح. قال فيه الحاكم بعد سياقه لأسانيده: "هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح الحديث". و وافقه الذهبي. و قال شيخ الإسلام ابن تيمية فيه: "هو حديث صحيح مشهور". و صححه الشاطبي في "الاعتصام"، و قد جمع الشيخ ناصر الدين الألباني طرقه و تكلم على أسانيده، و بين أنه حديث صحيح لا شك في صحته (سلسلة الأحاديث الصحيحة).

و قد ذهب صديق حسن خان إلى أن الزيادة التي في الحديث و هي (كلها هالكة إلا واحدة) و مثلها: (ثنتان وسبعون في النار) زيادة ضعيفة، و نقل تضعيف ذلك عن شيخه الشوكاني و من قبله عن ابن الوزير و من قبله عن ابن حزم، و قد استحسن قول من قال: (إن هذه الزيادة من دسيس الملاحدة، فإن فيها التـنـفير عن الإسلام و التخويف من الدخول فيه) (يقظة أولي الاعتبار). و قال صديق حسن خان أن مقتضى الزيادة أن الذي يدخل الجنة من هذه الأمة قليل، و النصوص الصحيحة الثابتة تدل على أن الداخلين من هذه الأمة الجنة كثير كثير، يبلغون نصف أهل الجنة. (يقظة أولي الاعتبار).

فأما اختصارا ... فالردَ على هذا يمكن تلخيصه من وجوه:

الأول: ليس معنى انقسام الأمة إلى ثلاث و سبعين فرقة أن يكون أكثر الأمة في النار، لأن أكثر الأمة عوام لم يدخلوا في تلك الفرق، و الذين افترقوا و قـعّـدوا و أصّـلوا مخالفين السنة قليل بالنسبة للذين جانبوا ذلك كله.

الثـانـي: ليس كل من خالف أهل السنة في مسألة من مسائل يعد من الفرق المخالفة للسنة، بل المراد بـهم الذين تـبَـنّـوا أصولاً تصيّـرهم فرقة مستقلة بنفسها، تركـوا من أجلها كثيراً من نصوص الكتاب و السنة، كالخوارج و المعتزلة و الرافضة، أما الذين يتبنون الكتاب و السنة و لا يحيدون عنهما، فإنهم إذا خالفوا في مسألة من المسائل لا يعدون فرقة من الفرق.

الثـالـث: الزيادة دلت على أن الفرق في النار، و لكنها لم توجب لهم الخلود في النار.

ومن المعلوم أن بعض أهل هذه الفرق كفرة خالدون في النار، كغلاة الباطنية (كالإسماعيلية والدروز والنصيرية ونحوهم) الذين يُظِهرون الإيمان و يُبطنون الكفر.

و منهم الذين خالفوا أهل السنة في مسائل كبيرة عظيمة، و لكنها لا تصل إلى الكفر، فهؤلاء ليس لهم وعد مطلق بدخول الجنة، و لكنهم تحت المشيئة إن شاء الله غفر لهم، و إن شاء عذبهم، و قد تكون لهم أعمال صالحة عظيمة تنجيهم من النار، و قد ينجون من النار بشفاعة الشافعين، و قد يدخلون النار و يمكثون فيها ما شاء الله أن يمكثوا ثم يخرجون منها بشفاعة الشافعين و رحمة أرحم الراحمين.

و أما تفصيلا... فـقد رد الشيخ ناصر الدين الألباني على من ضعّف هذه الزيادة من وجهين:

الأول: أن النقد العلمي الحديثي قد دل على صحة هذه الزيادة، فلا عبرة بقول من ضعّـفها.

الثاني: أن الذين صححوها أكثر و أعلم من ابن حزم، لا سيما و هو معروف عند أهل العلم بتشدده بالنقد، فلا ينبغي أن يحتج به إذا تفرد عند عدم المخالفة، فكيف إذا خالف!؟

و أما ابن الوزير فإنه يرد الزيادة من جهة المعنى لا من جهة الإسناد، و ما كان كذلك فلا ينبغي الجزم بفساد المعنى لإمكان توجيهه وجهة صالحة ينتفي به الفساد الذي ادعاه. و كيف يستطاع الجزم بفساد معنى حديث تلقاه كبار الأئمة و العلماء من مختلف الطبقات بالقبول و صرحوا بصحته، هذا يكاد يكون مستحيلا!

و الشيخ صالح المقبلي، قد تكلم على هذا الحديث بكلام جيد من جهة ثبوته و معناه، قال رحمه الله تعالى في كتابه "العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء و المشايخ" (ص 414): "حديث افتراق الأمة إلى ثلاث و سبعين فرقة، رواياته كثيرة يشد بعضها بعضا بحيث لا يبقى ريبة في حاصل معناها". ( ثم ذكر حديث معاوية هذا، و حديث ابن عمرو بن العاص الذي أشار إليه الحافظ العراقي و حسنه الترمذي).

ثم قال: "و الإشكال في قوله: "كلها في النار إلا ملة"؛ فمن المعلوم أنهم خير الأمم، و أن المرجو أن يكونوا نصف أهل الجنة، مع أنهم في سائر الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود حسبما صرحت به الأحاديث، فكيف يتمشى هذا؟ فبعض الناس تكلم في ضعف هذه الجملة، و قال: هي زيادة غير ثابتة. و بعضهم تأول الكلام".

قال: "و من المعلوم أن ليس المراد من الفرقة الناجية أن لا يقع منها أدنى اختلاف، فإن ذلك قد كان في فضلاء الصحابة. إنما الكلام في مخالفة تصير صاحبها فرقة مستقلة ابتدعها. و إذا حققت ذلك فهذه البدع الواقعة في مهمات المسائل، و فيما يترتب عليه عظائم المفاسد لا تكاد تنحصر، و لكنها لم تخص معينا من هذه الفرق التي قد تحزبت و التأم بعضهم إلى قوم و خالف آخرون بحسب مسائل عديدة".

ثم أجاب عن الإشكال بما خلاصته: "إن الناس عـامّـة و خـاصّـة..

فالعامة آخرهم كأولهم، كالنساء و العبيد و الفلاحين و السوقة و نحوهم ممن ليس من أمر الخاصة في شيء، فلا شك في براءة آخرهم من الابتداع كأولهم.

و أما الخاصة...

(القسم الأول): فمنهم مبتدع اخترع البدعة و جعلها نصب عينيه، و بلغ في تقويتها كل مبلغ، و جعلها أصلا يرد إليها صرائح الكتاب و السنة، ثم تبعه أقوام من نمطه في الفقه و التعصب، و ربما جددوا بدعته و فرعوا عليها و حملوه ما لم يتحمله، و لكنه إمامهم المقدم و هؤلاء هم المبتدعة حقا، و هو شيء كبير (تكاد السماوات يتفطرن منه و تنشق الأرض و تخر الجبال هدا)، كنـفي حكمة الله تعالى، و نفي إقداره المكلف، و ككونه يكلف ما لا يطاق، و يفعل سائر القبائح و لا تقبح منه، و أخواتهن! و منها ما هو دون ذلك، و حقائقها جميعها عند الله تعالى، و لا ندري بأيها يصير صاحبها من إحدى الثلاث و سبعين فرقة.

(القسم الثاني): و من الناس من تبع هؤلاء و ناصرهم و قوى سوادهم بالتدريس و التصنيف، و لكنه عند نفسه راجع إلى الحق، و قد دس في تلك الأبحاث نقوضها في مواضع لكن على وجه خفي، و لعله تخيل مصلحة دنيئة، أو عظم عليه انحطاط نفسه و إيذاؤهم له في عرضه و ربما بلغت الأذية إلى نفسه. و على الجملة فالرجل قد عرف الحق من الباطل، و تخبط في تصرفاته، و حسابه على الله سبحانه، إما أن يحشره مع من أحب بظاهر حاله، أو يقبل عذره، و ما تكاد تجد أحدا من هؤلاء النظار إلا قد فعل ذلك، لكن شرهم و الله كثير، فلربما لم يقع خبرهم بمكان، و ذلك لأنه لا يفطن لتلك اللمحة الخفية التي دسوها إلا الأذكياء المحيطون بالبحث، و قد أغناهم الله بعلمهم عن تلك اللمحة، و ليس بكبير فائدة أن يعلموا أن الرجل كان يعلم الحق و يخفيه. و الله المستعان.

(القسم الثالث): و من الناس من ليس من أهل التحقيق، و لا هيّء للهجوم على الحقائق، و قد تدرب في كلام الناس، و عرف أوائل الأبحاث، و حفظ كثيرا من غثاء ما حصلوه و لكن أرواح الأبحاث بينه و بينها حائل. و قد يكون ذلك لقصور الهمة و الاكتفاء و الرضا عن السلف لوقعهم في النفوس. و هؤلاء هم الأكثرون عددا، و الأرذلون قدرا، فإنهم لم يحظوا بخصيصة الخاصة، و لا أدركوا سلامة العامة. فالقسم الأول من الخاصة مبتدعة قطعا. و الثاني ظاهره الابتداع، و الثالث له حكم الابتداع.

(القسم الرابع): و من الخاصة قسم رابع ثلة من الأولين، و قليل من الآخرين، أقبلوا على الكتاب و السنة و ساروا بسيرها، و سكتوا عما سكتا عنه، و أقدموا و أحجموا بهما و تركوا تكلف ما لا يعنيهم، و كان تهمهم السلامة، و حياة السنة آثر عندهم من حياة نفوسهم، و قرة عين أحدهم تلاوة كتاب الله تعالى، و فهم معانيه على السليقة العربية و التفسيرات المروية، و معرفة ثبوت حديث نبوي لفظا و حكما. فهؤلاء هم السنّـية حقا، و هم الفرقة الناجية، و إليهم العامة بأسرهم، و من شاء ربك من أقسام الخاصة الثلاثة المذكورين، بحسب علمه بقدر بدعتهم و نياتهم.

إذا حققت جميع ما ذكرنا لك، لم يلزمك السؤال المحذور و هو الهلاك على معظم الأمة، لأن الأكثر عددا هم العامة قديما و حديثا، و كذلك الخاصة في الأعصار المتقدمة، و لعل القسمين الأوسطين، و كذا من خفَـت بدعته من القسم الأول، تنقذهم رحمة ربك من الانتظام في سلك الابتداع بحسب المجازاة الأخروية، و رحمة ربك أوسع لكل مسلم، لكنا تكلمنا على مقتضى الحديث و مصداقه، و أن أفراد الفرق المبتدعة -و إن كثرت الفرق- فلعله لا يكون مجموع أفرادهم جزءا من ألف جزء من سائر المسلمين: فتأمل هذا تسلم من اعتقاد مناقضة الحديث لأحاديث فضائل الأمة المرحومة".

قلت (و الكلام للألباني): و هذا آخر كلام الشيخ المقبلي رحمه الله، و هو كلام متين يدل على علم الرجل و فضله و دقة نظره، و منه تعلم سلامة الحديث من الإشكال الذي أظن أنه عمدة ابن الوزير رحمه الله في إعلاله إياه. و الحمد لله على أن وفقنا للإبانة عن صحة هذا الحديث من حيث إسناده، و إزالة الشبهة عنه من حيث متنه. و هو الموفق لا إله إلا هو.

__________________

المرجع: "العقيدة في ضوء الكتاب والسنة - الجنة والنار" - للشيخ الدكتور عمر بن سليمان الأشقر. (باختصار و تصرف يسير)

المرجع: "سلسلة الأحاديث الصحيحة و شيء من فقهها و فوائدها" - للشيخ محمد ناصر الدين الألباني. (باختصار و تصرف يسير)

0 تعليقات: